سياسة

مراكش.. دعوات لتعزيز الإنتاج المشترك وتسريع تفعيل المنطقة الحرة لإفريقيا

مراكش.. دعوات لتعزيز الإنتاج المشترك وتسريع تفعيل المنطقة الحرة لإفريقيا

دعا مسؤولون أفارقة ودوليون، اليوم السبت بمراكش، إلى تسريع الانتقال من منطق التبادل التجاري التقليدي إلى بناء سلاسل قيمة أورو–إفريقية مندمجة، قادرة على تعزيز الإنتاج المشترك، وجذب الاستثمارات، وتقوية صمود الاقتصادات في مواجهة التحولات العالمية المتسارعة، المتسمة بتفكك سلاسل الإمداد، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي.

وأجمع المتدخلون، اخلال الجلسة الإفريقية الخاصة حول “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية”، المنظمة في إطار الدورة الرابعة لمنتدى مراكش الاقتصادي البرلماني للمنطقة الأورو–متوسطية والخليج العربي، على أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (زليكاف) تمثل فرصة تاريخية، لكنها تظل غير مستغلة بالشكل الكافي ما لم تُرفق بإصلاحات بنيوية في البنية التحتية، والتشريع، والتمويل، والتكامل الصناعي.

ومن جهته، قال جوليو سنتيميرو، رئيس برلمان البحر الأبيض المتوسط، إن ما يجمع المشاركين هو “مفهوم غائب الحاضر: التجارة الحرة”، موضحاً أنها “لا تقتصر فقط على إلغاء التعرفات الجمركية، بل هي خلق فضاء اقتصادي تتدفق فيه السلع والخدمات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والمعرفة بحرية أكبر”.

وأضاف أن التجارة الحرة وحدها لم تعد كافية، مشيراً إلى أن “الهدف لم يعد مجرد التجارة بشكل أكبر، بل الإنتاج معاً بشكل أكبر لخلق التآزر”، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال “من التدفقات التجارية إلى سلاسل القيمة، ومن التبادل إلى الإنتاج المشترك، ومن الاستقلالية إلى المرونة”.

وأردف سنتيميرو أن التحولات العالمية الراهنة تتيح فرصة لإعادة تنظيم التعقيد الاقتصادي وخلق قيمة مضافة أكبر، لافتا إلى أن العلاقة بين إفريقيا وأوروبا “استراتيجية للغاية” بالنظر إلى حجم السوقين وما يمثلانه من فرص تكامل اقتصادي، مؤكدا على ثلاث أولويات تتمثل في الاستثمار في البنية التحتية، والتقارب التنظيمي، وتعزيز المؤسسات القوية لضمان الثقة والاستقرار.

من جانبه، أبرز مامادو ساتيغي دياكيتي مامادو ساتيغي دياكيتي، رئيس المجلس الأعلى للجماعات بجمهورية مالي، دور الجماعات الترابية في دعم الاندماج الاقتصادي، مؤكدا أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل “إطارا جذابا ومهيكلا لإدماج سلاسل القيمة الأورو–أفريقية”، مشيرا إلى أن الإنتاج المشترك يسمح بتوزيع مراحل الإنتاج بين الدول وفق مزاياها النسبية، بما يعزز نقل التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة.

وأضاف دياكيتي أن التحديات المرتبطة بـ”زليكاف” عديدة، أبرزها البنية التحتية، والتمويل، وتأمين سلاسل التوريد، داعياً إلى تعزيز التعاون العابر للحدود بين الجماعات الترابية باعتباره أداة فعالة للاندماج الاقتصادي، مشددا على أن “زليكاف” تمثل فرصة تاريخية لبناء فضاء اقتصادي قائم على الازدهار المشترك والتنمية المستدامة.

بدوره، شدد بانا إبراهيم، رئيس اللجنة الجيوسياسية للمجلس الاستشاري لإعادة التأسيس بجمهورية النيجر، على أن التحولات العالمية الأخيرة أثبتت أنه “لا يمكن لأي بلد أن يبني ازدهاره على تبعيات حرجة”، قائلا إن إفريقيا يجب أن تنتقل من كونها مجرد “خزان للمواد الخام” إلى قارة للإنتاج والتحويل والابتكار وخلق القيمة المضافة، مؤكداً أن هذا هو جوهر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وأضاف إبراهيم أن “زليكاف ليست مجرد اتفاق تجاري، بل أداة تاريخية للتحول الهيكلي”، لكنه حذر من أن السوق وحده لا يكفي دون طاقة وبنية تحتية ولوجستيك وتمويل طويل الأمد وكفاءات بشرية، موضحا أن النيجر تمتلك موارد طبيعية مهمة، من بينها اليورانيوم والبترول والذهب، إضافة إلى موقع جيوستراتيجي مميز.

كما شدد المتحدث نفسه على أن الهدف هو تحويل الموارد إلى قيمة مضافة ثم إلى ازدهار واستقرار، موضحا أن “السيادة الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن السيادة الطاقية”، معتبراً أن الطاقة هي أساس أي تحول صناعي أو رقمي.

أما شريف الجبالي، رئيس غرفة الصناعات الكيميائية في اتحاد الصناعات المصرية ورئيس لجنة الشؤون الإفريقية في برلمان جمهورية مصر، أوضح أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية ليست مجرد اتفاق تجاري، بل “مشروع تنموي شامل لـ54 دولة تم الاتفاق عليه في كيغالي سنة 2018 وتم تفعيله سنة 2021”.

غير أنه أشار إلى وجود عوائق كبيرة أمام التنفيذ، أبرزها ضعف البنية التحتية، وتفاوت النظم الجمركية، وعدم تفعيل نظام الدفع الإفريقي المشترك، إضافة إلى تفاوت مستويات التصنيع بين الدول، قائلا إن إفريقيا تمتلك إمكانات ضخمة في الصناعات الغذائية والكيماوية والرقمية، لكنها “لم تُستغل بعد بالشكل الكافي”.

وانتقد الجبالي بطء تفعيل الاتفاق، معتبرا أن نسبة التجارة البينية الإفريقية ما تزال منخفضة مقارنة بأوروبا وآسيا، داعيا إلى تحويل النقاش إلى إجراءات عملية بدل الاكتفاء بالخطابات، مشددا على أن “زليكاف هي مستقبل إفريقيا، لكن بدون عمل جاد وتنسيق فعلي لن تتحقق أهدافها”.

من جهته، أكد بريت راينر، نائب رئيس قسم شمال إفريقيا بصندوق النقد الدولي، أن شمال إفريقيا توجد في موقع استراتيجي لبناء سلاسل قيمة أورو–أفريقية، موضحا أن الاقتصاد العالمي يتغير وأن الشركات تبحث عن شركاء أكثر قربا ومرونة، ما يفتح فرصة لتعزيز الإنتاج المشترك بين إفريقيا وأوروبا.

لكن، بحسب راينر، فإن الواقع الحالي لا يعكس هذه الإمكانات، إذ ما تزال التجارة بين شمال إفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء محدودة، وسلاسل القيمة سطحية ومتمركزة حول المواد الخام، مضيفا أن الربط في سلاسل الإنتاج لا يزال ضعيفا، رغم بعض التقدم في دول مثل المغرب وتونس.

وأكد أن الطاقة تمثل محورا أساسيا في هذا التحول، مشيرا إلى أن خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية يمكن أن يرفع بشكل كبير من مشاركة الدول في سلاسل القيمة، بل وقد يؤدي إلى رفع الناتج المحلي بنسبة مهمة إذا ترافق مع إصلاحات هيكلية. ودعا راينر إلى تقليص الاحتكاكات التجارية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير اللوجستيك، وتعزيز بيئة الأعمال، مع الاستثمار في المهارات الرقمية.

من جهته، اعتبر لحسن حداد، الوزير السابق والنائب الأول لرئيس مجلس المستشارين المغربي، أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل “أحد أهم مشاريع الاندماج الاقتصادي في العالم”، لافتا إلى إفريقيا تواجه مفارقة كبرى: فهي تملك 18% من سكان العالم وموارد ضخمة، لكنها لا تزال تساهم بنسبة ضعيفة في التجارة العالمية بسبب التجزئة الاقتصادية.

وأضاف حداد أن “زليكاف” ليست مجرد تحرير للتجارة، بل مشروع تصنيع قاري يهدف إلى بناء سلاسل قيمة في مجالات متعددة مثل الصناعة، الزراعة، الطاقة، والخدمات الرقمية، مؤكدا أن النجاح لن يتحقق عبر الاتفاقيات فقط، بل عبر التنفيذ الفعلي، مشددا على ضرورة معالجة الفجوات في البنية التحتية والتمويل والسياسات الصناعية. وأكد لحسن حداد على البعد الجيوسياسي للمشروع، معتبرا أن السوق الإفريقية الموحدة ستعزز السيادة الاقتصادية للقارة وتزيد من قدرتها التفاوضية في النظام العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News