رغم غيابه.. بصمة الركراكي بقطر تقود “ثورة المستضعفين” بمونديال 2026

رغم غياب الناخب الوطني المغربي الأسبق، وليد الركراكي، عن دكة بدلاء المونديال الحالي، إلا أن “ظله التكتيكي” يبدو حاضراً بقوة فوق أرضية الميدان، إذ إن بصمته التي ولدت من رحم ملحمة قطر 2022، لم تعد مجرد طفرة مغربية عابرة، بل تحولت إلى “كتالوج” تكتيكي تعتمد عليه المنتخبات العربية والإفريقية لمواجهة وإحراج عمالقة اللعبة.
وقد سجل الدور الأول من مرحلة المجموعات حضوراً لافتاً للمنتخبات العربية والإفريقية، التي تمكنت من مقارعة القوى الكروية الكبرى التي دخلت غمار هذه البطولة كمرشحة فوق العادة للظفر باللقب، حيث منحها الركراكي “وصفة سحرية” قوامها الواقعية المفرطة، والتنظيم الدفاعي الصارم القائم على تضييق المساحات والاعتماد على الكتل الدفاعية المدمجة.
وأثبت هذا الأسلوب الذي عِيبَ عليه يوماً أنه “يقتل جمالية اللعبة”، أنه السلاح الأكثر فتكاً في البطولات المجمعة، وتمكن منتخب الرأس الأخضر بهذا الأسلوب من إيقاف الماكينات الإسبانية، على الرغم من ترسانتها البشرية القوية التي تضم طينة من أفضل لاعبي العالم، والذين ظهروا عاجزين أمام التنظيم الدفاعي “للقروش الزرقاء”، التي تشارك لأول مرة في البطولة.
ولم يكن غريباً أن نرى منتخب الرأس الأخضر، رغم افتقاره للخبرة المونديالية، يقف نداً لند أمام “الماتادور” الإسباني، ويتمكن من إحراجه وانتزاع تعادل تاريخي منه بعد اعتماده على نسخة مطابقة لـ”الجدار الدفاعي” التكتيكي الذي شيده “الأسود” في الدوحة في النسخة السابقة.
هذه الثورة التكتيكية لم تتوقف عند حدود القارة السمراء، بل امتدت لتمنح المنتخبات العربية كبرياءً هوياتياً جديداً في التعامل مع المباريات الكبرى، حيث فتح أسود الأطلس، رفقة الركراكي، الباب للمنتخبات العربية لكسر الانكماش النفسي وعقدة الخوف من أسماء الخصوم، والإيمان بأن الكرة العربية قادرة على استنساخ الإنجاز المغربي التاريخي.
وفي هذا الصدد، دخل المنتخب السعودي أولى مبارياته في البطولة أمام نظيره الأوروغوياني معتمداً بشكل كامل على نهج تكتيكي مغلق، يرتكز على الهجمات المرتدة واقتناص أنصاف الفرص، سيناريو أعاد للأذهان أسلوب وليد الركراكي، وهو بالفعل النهج الذي كان به “الأخضر” قريباً من تحقيق فوز ثمين، قبل أن يخرج بتعادل مهم سيمنحه دفعة معنوية قوية للاستمرار في الصراع على بطاقة التأهل.
من جانبه، لم يكن المنتخب المصري خارجاً عن هذه القاعدة، بل اعتمد بدوره النهج ذاته أمام المنتخب البلجيكي، غير أن “الفراعنة” كانوا أكثر جراءة واندفاعاً بفضل المؤهلات الهجومية للاعبيهم، ليتمكنوا من فرض أسلوبهم على البلجيكيين الذين أفلتوا بصعوبة من الهزيمة، ليخرجو أيضا بنتيجة التعادل.
ولا يقتصر الإرث الحقيقي للركراكي في هذا المونديال على “الخطة” أو “التكتيك” المنضبط فحسب، بل أيضا في “الأمل والثقة” التي زرعها في قلوب المدربين واللاعبين الأفارقة والعرب، خصوصا وأنه قد كسر عقدة “العالم الثالث كروياً”، وأثبت أن التنظيم المستميت والروح الجماعية قادران على هدم فوارق القيمة التسويقية للاعبين.
وينتظر من هذه النسخة من البطولة أن تكون تاريخية بالنسبة للمنتخبات العربية والإفريقية، التي أضحت متأكدة أن لغة الصبر التكتيكي التي وظفها الركراكي، ستكون هي السبيل الأنجع للذهاب بعيداً في مونديال ترتفع فيه حظوظ التأهل بشكل يذكي حدة المنافسة، ويضعنا أمام إمكانية متابعة تغييرات حقيقية على صعيد الخارطة الكروية العالمية.





