جيل ما بعد كورونا في البكالوريا.. هل تخلصت المنظومة من آثار التعثر التعليمي؟

يستعد آلاف التلاميذ المغاربة لاجتياز اختبارات البكالوريا خلال الفترة ما بين 04 و06 يونيو المقبل في مناخ تربوي يعيد طرح سؤال اجتياز المنظومة التعليمية لتداعيات جائحة كوفيد 19 على مستوى تحكم المترشحين للتعلمات الأساس وتعافي التعليم المغربي من أثر التعثر الدراسي الذي عرفته السنوات القليلة الماضية، خصوصاً أن المعنيين بامتحانات البكالوريا خلال الموسم الدراسي الحالي سبق أن عاشوا تجربة التوقف الدراسي والتعليم عن بعد في المواسم السابقة.
وتشير المعطيات الرسمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى أن عدد المترشحين لامتحانات البكالوريا لدورة 2026 بلغ 520 ألف مترشح، منهم 100 ألف مترشح حر. النسبة الكبيرة منهم سبق أن عاشت تجربة التعليم في ظل أزمة كوفيد 19، وما أدت إليه من اضطراب في العملية التعلمية واستمرارية تلقي الدروس بالشكل الاعتيادي والطبيعي.
وفي هذا السياق الذي تأتي فيه امتحانات البكالوريا، تغيب أي معطيات أو تقارير رسمية حول تقييم مستوى التلاميذ المترشحين للبكالوريا، وباقي الأقسام الإشهادية، خلال فترة ما بعد إغلاق المدراس والوقوف على الآثار التي ترتبت عن هذه الأوضاع الاستثنائية لقياس مدى استعادة المستوى الطبيعي للتلاميذ واستعدادهم لاجتياز الاختبارت الدراسية.
الحسين زاهدي، أستاذ جامعي وخبير في الشأن التربوي، قال إن “التساؤل حول ما إذا كنا قد تجاوزنا هذه المرحلة أم لا، وهو أمر يرتبط بمدى تنفيذ عملية تقويم المكتسبات التي أُعلن عنها عقب فترة إغلاق المدارس. فحتى الآن، لم نتأكد من تنزيلها الفعلي على أرض الواقع ولا نملك معطيات تطلعنا على تفاصيلها، وهي العملية التي كان يُفترض أن تُبنى على ضوئها وتُحدد وفْقها الاستراتيجيات البيداغوجية الخاصة بالدعم والاستدراك”.
وأورد الزاهدي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أنه “قد كان هناك حديث بالفعل عن خطط الدعم والتعويض، لكنها لم تأتِ بناءً على نتائج هذا التقويم. وهذا ما يجعل الأمر غاية في الصعوبة”، مسجلاً أنه “من المؤكد أن الآثار السلبية لإغلاق المدارس قائمة ولا شك في ذلك، إلا أن حجمها الحقيقي وطبيعتها الدقيقة يظلان غير معروفين غياب المؤشرات العلمية”.
وتابع أنه “في أسوأ الاحتمالات، قد تكون هذه العملية لم تُنجز أصلاً. وبناءً على ذلك، لا يمكننا سوى الجزم بوجود أثر سلبي قائم، أما حجمه الحقيقي، وطبيعته الدقيقة، وما إذا كنا قد تمكنا من تجاوزه أم لا، فهذا أمرٌ لا يمكن الحسم فيه من الناحية العلمية أو الأكاديمية”.
وسجل الخبير في الشؤون التربوية أن “عملية التقويم تعد إجراءً بيداغوجياً معمولاً به وسياقاً طبيعياً في الأيام الدراسية العادية. أما تلك الفترة التي شهدت إغلاق المؤسسات التعليمية، فالأصح وصفها بمرحلة (تدبير العملية الدراسية في ظل الأزمات وحالات الطوارئ)”، مبرزاً أنه “خلافاً لما يطلق عليه البعض تسمية (التعليم عن بعد)، فإننا في الواقع كنا أمام حالة طوارئ ناتجة عن قوة قاهرة، استدعت تدبير وضع استثنائي لم يكن يسير وفق مساره الطبيعي”.
واعتبر زاهدي أن “مرحلة كوفيد كانت تجربتنا الأولى في تدبير سياق كهذا، وهي تجربة عرفت اجتهادات عديدة، وحملت في طياتها نقاط قوة ونقاط ضعف كان من الضروري الوقوف عليها؛ وذلك لتقويم أدائنا أولاً، وتحضير جاهزيتنا للمستقبل”، لافتاً إلى أن “ما يؤكد هذه الضرورة هو الأزمة اللاحقة التي شهدناها مع زلزال الحوز؛ ورغم ذلك لم نلمس بوضوح كيف تم استثمار الدروس المستفادة من مرحلة جائحة كوفيد وإغلاق المدارس، ولم يتضح لنا مدى الاستفادة منها في مواجهة الأزمات التالية”.
وعن المدافعين عن جودة التعلمات بالاستناد إلى النتائج ونسب النجاح في المستويات الإشهادية، أورد زاهدي أنه “في الموسم الأول تم الاعتماد حينها على ملاءمة وتكييف الامتحانات الإشهادية، وتحديداً شهادة البكالوريا، بالإضافة إلى المستويين الثالث إعدادي والسادس ابتدائي خلال تلك الفترة من الجائحة”، مسجلاً أن “الأزمة لم تنتهِ بانتهاء ذلك العام الدراسي؛ فلدينا مستويات تعليمية متعددة ينتقل تلاميذها تدريجياً نحو الأقسام الإشهادية، وحيث إن المنظومة التعليمية تراكمية يُبنى فيها كل مستوى على ما قبله، فإن الأثر يظل ممتداً”.
وبناءً على ذلك، يضيف المتحدث ذاته، لا يمكننا الاطمئنان إلى الوضع الحالي أو الاعتماد عليه. فالأطفال الذين التحقوا بالصف الأول الابتدائي إبان تلك الفترة، تشير الإحصاءات المؤشرة على مسارهم التعليمي إلى أن أقل من 50 في المئة منهم فقط يتمكنون من بلوغ مرحلة البكالوريا. وحتى هذه النسبة التي تصل، لا نملك معطيات دقيقة حول مستوى تحصيلها الحقيقي.
وتزداد الصورة تعقيداً اليوم، وفق الخبير في الشأن التبروي، مع تبني مقاربة مدارس الريادة؛ حيث نجد تبايناً بين التلاميذ المستفيدين من هذا البرنامج وغير المستفيدين منه، وطبيعة الامتحانات وتقييماتها المزدوجة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الملمح التربوي لهؤلاء الخريجين ومستقبلهم الدراسي. إننا نواجه حالة من الغموض والاضطراب، وغياباً تاماً لرؤية واضحة المعالم حتى اللحظة”.




