مستشار ترامب بالجزائر في توقيت حساس والمغرب يوسع نفوذه بهدوء إقليمي

حل المستشار الرفيع للرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية، مسعد بولوس، مساء الاثنين، بالعاصمة الجزائر قادماً من تونس وليبيا، في زيارة هي الثانية له خلال ستة أشهر، يلتقي خلالها كبار المسؤولين الجزائريين لبحث ملفات وقضايا إقليمية تتصدرها الأزمة الليبية وأوضاع منطقة الساحل والنزاع في منطقة الصحراء، في سياق إقليمي متوتر وحسابات دولية متحركة.
وأفادت السفارة الأميركية في الجزائر، في بيان رسمي، بأن بولوس يوجد في الجزائر في زيارة جديدة تهدف إلى تعزيز الشراكة ومواصلة العمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، رغبة واشنطن في إعادة ضبط مقاربتها تجاه شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، في ظل تصاعد التنافس الدولي وتزايد المخاوف من اختلالات أمنية وجيوسياسية متسارعة.
وتأتي هذه الزيارة في توقيت دبلوماسي حساس، بعدما غادرت السفيرة الأميركية إليزابيث أوبين الجزائر عقب انتهاء مهمتها، وفي انتظار تعيين سفير جديد لواشنطن في الجزائر، بعد رفض لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس ترشيح مساعد وزير الخارجية السابق المكلف في شمال أفريقيا والساحل، جوشوا هاريس، لتولي المنصب، وهو ما فتح باب التأويل حول طبيعة العلاقات الثنائية ومستوى الثقة السياسية بين الطرفين.
وكان مسعد بولوس قد زار الجزائر نهاية شهر يوليوز الماضي، والتقى حينها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وقال إنه نقل إليه رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق السلام وهزيمة الإرهاب، كما أدلى في تلك الفترة بتصريحات بشأن تخطيط الإدارة الأميركية لإطلاق وساطة بين الجزائر والرباط وتحقيق مصالحة في غضون ستين يوماً.
عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتبر أن “التحرك الأميركي نحو الجزائر يعكس قبل كل شيء حدود الدور الذي باتت تلعبه في الإقليم، فواشنطن لا تزور العواصم المطمئنة، بل تعود عادة إلى العواصم التي يقلقها اتجاه بوصلتها السياسية والأمنية، والجزائر اليوم تتحول من فاعل مفترض إلى ملف مراقبة في حسابات القوى الكبرى”.
وأضاف سرحان أن “تكرار الزيارات في غياب نتائج ملموسة يكشف أن الجزائر تُستقبل أكثر مما تُصغى إليها، وأن دورها في ليبيا والساحل يُنظر إليه باعتباره ضرورياً لضبط الفوضى لا لصناعة الحلول، فيما تستمر في استثمار خطاب إقليمي متجاوز، يعطل اندماج المنطقة بدل أن يسهم في استقرارها”.
وفي ما يتعلق بملف الصحراء، يرى الباحث أن “الجزائر تبدو الحلقة الأضعف في معادلة دولية تتغير بسرعة، فبينما راكم المغرب اعترافات صريحة بمغربية الصحراء ورسخ مبادرته كحل واقعي، ظلت الجزائر أسيرة خطاب قديم فقد بريقه داخل العواصم المؤثرة، وتحول من ورقة ضغط إلى عبء دبلوماسي يحد من قدرتها على المناورة” .
ويتابع سرحان أن “فشل أي وساطة أميركية سابقة ليس نتيجة تعقيد الملف فقط، بل نتيجة تصلب الموقف الجزائري ورفضه الاعتراف بتحولات ميزان القوى، في مقابل مقاربة مغربية هادئة، تراكم الإنجاز بدل الضجيج، وتُحول الاعترافات الدولية إلى رصيد استراتيجي طويل الأمد”.
وفي دلالة إضافية على طبيعة العلاقة بين واشنطن والجزائر، يشير الباحث إلى أن “الفراغ الدبلوماسي في السفارة الأميركية بالجزائر يعكس بدوره هشاشة الثقة السياسية بين الطرفين، فواشنطن لا تتعجل تثبيت تمثيل رفيع في عاصمة لا تقدم رؤية واضحة ولا شراكة مستقرة، بينما تحظى الرباط بعلاقات مؤسساتية متينة ومتصاعدة مع الإدارة الأميركية بمختلف تياراتها”.
وفي المقابل، يبرز المغرب، وفق سرحان، “كفاعل مركزي في معادلات الاستقرار الإقليمي، يجمع بين الشرعية الدولية والنجاعة الميدانية، ويقدم نفسه شريكاً موثوقاً في الأمن والهجرة والطاقة والتنمية، وهو ما يفسر انتقال الثقل الدبلوماسي تدريجياً من منطق الوساطات المترددة إلى منطق تثبيت الحل المغربي كأرضية نهائية للنزاع”.
ويخلص الباحث إلى أن “خلاصة المشهد أن الجزائر تُزار اليوم لأن واشنطن تخشى انزلاقها خارج المدار الغربي، لا لأنها تملك مفاتيح الحل، بينما يرسخ المغرب موقعه كمرجعية إقليمية هادئة، تفرض وقائعها بالدبلوماسية الهادئة والشرعية الدولية، وتترك خصومها أسرى خطاب استنزف كل رصيده السياسي”.





