ثقافة

سوس والصحراء.. باحثون يعددون أهمية كتابة التاريخ المحلي ويجردون نواقصها

سوس والصحراء.. باحثون يعددون أهمية كتابة التاريخ المحلي ويجردون نواقصها

خصص أكاديميون وباحثون مساحة في معرض الكتاب بالرباط، للتطرق إلى أهمية الكتابة في التاريخ المحلي، بتناول تاريخ سوس والصحراء باعتبارهما نموذجين لهذا النوع من الكتابات، مسجلين الإكراهات والنواقص التي تشوبها.

وفي مداخلة له خلال ندورة حول “الكتابة في التاريخ المحلي بسوس والصحراء، جرد وتقييم”، قال أحمد بومزكو، إن التاريخ المحلي هو مجال تتبلور فيه جملة من الكتابات التاريخية التي تنحصر في مجال وزمن معين، والتي عادة ما تكون محدودة في إطار قبيلة أو دوار أو أسرة أو شخص، ويمكن أن تتكامل هذه الكتابات لتلامس العديد من التخصصات المختلفة، وغالبا ما يتم ذلك من منطلق الاختبارات الشخصية أو القبلية أو الهوياتية أو بإيعاز من جمعيات أو جهات.

وأضاف بومزكو في مداخلته حول التاريخ المحلي لسوس، الذي يختص فيه، قائلا: “هو نوع من الاسطغرافيا التي يطغى على اهتماماتها البعد المحلي، ويمارسها هواة وذوي الاختصاص على السواء، إذ في المقاربة المحلية للتاريخ، لا يقحم الباحث نفسه في متاهات منهجية وفلسفية ترتبط بالتخصص، وإنما يحصر نفسه في مجال معين قد يكون قبيلة أو دوار أو مدينة أو إقليم أو قضية”.

وبخصوص خاصيات الكتابة في التاريخ المحلي، يشير إلى أنه يرتكز على المحلي والجهوي، ويتمحور حول المشاكل المعاصرة والآنية، ويعد وظيفيا وكيفيا، وفيه هامش التحرك والحرية، ويتميز أيضا بالتنافسية، والنهل من الأرشيف المحلي خاصة الخاص منه، إلى جانب أنه تاريخ قطاعي قابل للتركيب.

واسترسل قائلا “إن المتأمل في حركة التأليف في مجال التاريخ بسوس ما بعد المختار السوسي، لا يسعه إلا أن يخرج بانطباع مفاده أن المؤلفين السوسيين قد جالوا في ميادين وأغراض عديدة، ولا يخفى على كل مهتم بتاريخ المنطقة، مدى أهمية هذه المصنفات التاريخية المحلية، فمن المصنفين من اقتصر على منطقة جغرافية محدودة، ومنهم من تخصص في إحدى القرى السوسية، ثم هناك من وضع مؤلفا شاملا لقبيلة أو مدرسة أو اتحادية، كما وضعت مصنفات أخرى لأفراد العائلات المشهورة أو لسرد مآثر أشخاص من ذوي الصلاح والعلم”.

ولفت إلى أن الطفرة الجمعوية التي عرفها الإقليم قد انعكست على المجال الفكري، حيث برز إلى الوجود، سعي الجمعيات إلى إبراز موروثها التاريخي عن طريق رعاية ودعم عدد من المؤلفين الذين تصدروا للتاريخ المحلي، وذلك في سياق من التنافس الحميد، مشيرا إلى أنه “هذا حال ما كان متداولا بسوس من كون القبائل تتسابق نحو احتضان العلم والعلماء، فتوسع مشروع الكتابة خارج المؤسسات الجامعية، رغم حضورها ولو بشكل رمزي من خلال إسناد مقدمات بعض المؤلفين إلى بعض الأساتيذ الجامعيين”.

وتحدث عن “عناية بعض رجال الأعمال عناية كبرى بهذا المجال، ووجهوا إليه مزيدا من دعمهم، وأصبح وسيلة للتباهي وتخليد ذكراهم، مما يوضح أن الكتابة التاريخية وجدت من يحتضنها ويشجع أصحابها، وثمة بواعث خاصة ترتبط بالرغبة في تدارك النقص الملحوظ في التدوين التاريخي”.

وسجل أن البحث في التاريخ المحلي خلال العقود الأخيرة، عرف تراكما مهما، ورصيدا متنوعا، ملخصا ملامح وخصوصيات ومسار هذه الكتابات خلال هذه الفترة، في التوزيع المجالي والزمني، إذ بحسبه تطورت جهود السوسيين في مجال الكتابة التاريخية تطورا ملحوظا خاصة خلال العقدين الأخيرين، إلى جانب تنوع وتعدد المواسيع المطروقة، مع غلبة التوجه نحو الكتابة في مجال التراجم وإعطاء الأهمية للمجالات في إطار البحث المونوغرافي، والتي ترتكز دراسته على مساحة محدودة غالبا ما تكون موطن الباحث، وتباين المقاربات والأدوات المنهجية الموظفة، وتباين أساليب الكتابة تبعا لحيثيات المؤلفين الذي تنتمي إلى روافد معرفية مختلفة، وتعميق وتوسيع البحث والتحري، والكشف عن عدد كبير من الوثائق المحلية.

وتطرق أيضا في مداخلته إلى الإكراهات المنهجية والمعرفية التي تعترض سبيل الباحث، والتي تتجلي في الافتقار لتقاليد تاريخية واضحة، ما يفسر قلة المهتمين بالدارسة التاريخية خلال هذه الفترة، وندرة المؤلفات التاريخية، والتي حتى إن وجدت فهي ضائعة ينهض دليلا على ذلك ما بسطه السوسي في مصنفه “سوس العالمة”، إضافة لعدم مواكبة المناهج التاريخية رغم الطفرة التي عرفتها في كتابة تاريخ.

وأضاف في السياق ذاته أن: “لعل هذا ما جعل بعضا من هذه المؤلفات لا ترقى لتتفاضل على كتابات المرحوم السوسي وذلك لذاتية ظهرت في كتابات أصحابها، لكن هذا لا ينفي قيمتها التاريخية، ولا يقلل من أهميتها التوثيقية”.

وأشار إلى أن بعض الكتابات تعمد إلى نسج تاريخ على المقاس، إذ تكون متخمة بجملة من التصورات والتمثلات التي هي أقرب ما تكون إلى الذاكرة التي تفتقد لشروط  البحث التاريخي، لهذا تنسج كل واحدة، لها تاريخا خاصا دون الركون إلى مقارنات ممكنة أو الانفتاح على تأثيرات المحيط القريب والبعيد، وأخرى بنزوعات إلى أسطرة التاريخ، لأن هامش الكتابة متيسر ومنفلت عن الرقابة، إلى جانب غياب تفسير لأحداث التاريخ وفق منهج مرتبط بصنعة المؤرخ في التعامل مع شواهده وشهوده والقائمة على خاصية الحذر في تلقي الروايات والدقة في تحليلها لهذا تبقى مسألة حضور التاريخ بمعناه الإشكالي غائبة .

وضمن الإكراهات، أفاد بعدم تملك الأداة النظرية والعدة المنهجية من أجل بناء تاريخ علمي رصين، إلى جانب عدم الكشف عن أسباب الكثير من الظواهر والأحداث التاريخية على ضوء ارتباطها بما قبلها أو بما عاصرها من حوادث، “بمعنى عدم وجود ربط الظاهرة التاريخية بالظواهر الأخرى الموالية لها والمتفاعلة معها، إضافة إلى الحماسة وفرط العاطفة والذاتية”.

وربط الإكراهات بالتحديات التي تطرحها ندرة المادة المصدرية والأرصدة الوثائقية أمام الباحث الذي يتصدى لكتابة التاريخ المحلي، وعدم استحضار الحذر المنهجي المطلوب في التعامل مع الوثائق، ومجاراتها في طروحاتها ويقينياتها، كون إخضاعها للنقد والتمحيص، سواء كانت محلية أو منسوخة من الأرشيفات الأجنبية.

واستنتج أن المتحدث ذاته أن هذه المساهمة تشكل وقفة منهجية ضرورية لتقييم ما تراكم، ليس الهدف تثبيط الهمم ولا إشاعة الفشل، مبرزا أن “اعتقادنا بقيمة ما أنجز إلى حد الآن ما يدعو إلى تكثيف الجهود والهمم، والانكباب على جمع المفقود من المخطوطات، وتحقيق ودراسة ما هو في المتناول، مع ضرورة التعامل مع هذه المصنفات بطريقة تراعي خصوصياتها المعرفية والمنهجية، مشيرا إلى أن التنوع الهائل للمصادر التاريخية يمنح المؤرخ إمكانية التعامل معها حسب اختياراته وكفاءاته ومعالجتها من مواقع متعددة.

وقال إنه من الضرورة كتابة تاريخ سوس انطلاقا من رؤية علمية رصينة ومعايير موضوعية صارمة، بعيدا عن الكتابات التقليدية المترهلة وكذا التخريجات الاستعمارية الملغومة.

أما منصوري الحسان الذي يختص في كتابة التاريخ المحلي للصحراء، فقد قال في مداخلته إن أهمية الجهة في الجانب الاجتماعي والاقتصادي، استدعت القيام بمجموعة من الدراسات والبحوث.

وأضاف أن “جهة الجنوب أعطت أهمية للشق الثقافي وحاولت استخراج العديد من الدراسات، إذ تناولت مجموعة من الإصدارات مختلف الأزمنة والمناطق، ضمنها القبيلة والقبلية في الصحراء وأعرافها، وإبراز العداات التقاليد والطقوس، والتراث المادي اللامادي والحياة القروية، في أطاريح جامعية”.

وتابع أن “بعض الأبحاث انفردت بالكتابة عن التجارة في الجنوب، خاصة في واد نون، ومواضيع أخرى مختلفة حول الصحراء، تهم التحولات الاجتماعية والثقافية بالجنوب”.

وخلص إلى أن مجموعة من القطاعات ساهمت في التراكم، منها الجامعة والوكالة، إضافة إلى أن هذه الدراسات التي أنجزت حول بعض القبائل تقتصر فقط على المقالات، والتشابه في بعض الاصدارات، وعيوب في الترجمة، مشددا على ضرورة تقديم دراسات نقدية.

وقال منصوري في تصريح لجريدة “مدار21” إنه بعد الاستقلال، وبعد تجارب عدة حان الوقت في إطار دعم الجامعة، وخلق جيل جديد من الباحثين، أن نهتم بالتاريخ المحلي، باعتباره تاريخا سيميط اللثام عن مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالأحداث السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، على مستوى جهات المملكة في إطار ما يسمى بالجهوية.

وأضاف أن “بناء تاريخ محلي باعتباره تاريخا مجهريا، هو السبيل المنهجي والموضوعي لبناء تاريخ وطني مغربي شامل، يوحد ويجعل من الكتابة التاريخية الوطنية، منطلقا أساسيا لإعادة كتابة تاريخ المغرب كما صرح بذلك الدكتور العروي في كتابه “تاريخ المغرب محاولة في التركيب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News