البلاستيك.. سلاح ناجين من زلزال الحوز لمواجهة قسوة الشتاء

هنا بدوار تيكخت، كل شيء يؤكد أن زلزالا ضرب قبل أيام؛ رائحة الموت، قبور الضحايا، صدمة الناجين ومنازل مهدمة عوضتها خيام، قد لا تقي من قسوة فصل الشتاء القادم، شتاء قد يعمق جراح ساكنة لم تجد غير قطع من البلاستيك للاحتماء بها.
تيكخت، التابع لجماعة أداسيل بإقليم شيشاوة، يقع على بعد مائة كيلومتر عن مراكش، وكان من بين 2930 دوارا مغربيا تضرر بزلزال الحوز الذي ضرب البلاد في الثامن من شتنبر وخلف أزيد من 2946 قتيلا والمئات من الجرحى.

حكايات من قابلتهم “مدار21” بتيكخت تتشابه ولا تختلف إلا في بعض التفاصيل البسيطة؛ فليلا يصارعون كوابيس لازالت تلازمهم منذ زُلزلت الأرض تحت أقدامهم، ونهارًا يستعدون للفصل القادم ويدعون الله أن يغادروا الخيام التي لم تقيهم لهيب الحر وحتما لن تفعل مع سياط البرد.
جامو أجبري، واحدة ممن قابلتهم “مدار21″، سيدة سبيعينية، نجت من الزلزال المدمر، لكنها لم تنج من خشية مستقبل مجهول، تحاول جاهدة في أحيان كثيرة أن تواجه يومها بأمل فطري ينتظر غدًا أفضل، وفي أحايين أخرى تستسلم هذه العجوز المهمومةُ لطوفان من اليأس جُرفتْ إلى قاعه حين ودعت تقريبا عائلتها كاملة.

تقول جامو لـ”مدار21″ وهي تغالب دموعها: “صادف يوم الزلزال أنني كنت عند ابنتي، لأنني كنت أعاني من كسر على مستوى رجلي. وحين عدت وجدت منزلي مهدما… الله كريم، صحتي تتدهور يوما بعد يوم وحياة الخيام صعبة، نحضر الأكل ولا نستطيع حتى أن نتذوقه.. مات ابني وزوج ابنتي وبنت أختي وزوج أختي والكثيرون، حياتنا ضاعت… إنها النهاية”.
جامو، التي اختارت ورغم ضيق ذات اليد أن تستضيف وبإصرار شديد طاقم “مدار21” في خيمتها، التي لا تتعدى مساحتها 4 أمتار مربعة، لتقديم كأس شاي أعدته وهي مقوسة الظهر بسبب قُصر طول الخيمة، تضيف في حديثها أنه “على المسؤولين أن يلتفتوا لحالنا وأن يقدموا لنا حلولا قبل فصل الشتاء؛ نحن خائفون من كارثة جديدة”.

بعد الثامن من شتنبر، كل شيء تغير، إذ أضحى الشتاء بالنسبة لجامو ولأهل تيكخت بعد الزلزال، “بعبعًا مقيتًا” يحتاج معجزة ليمر عليهم بسلام آمنين، فكلما ظهرت غيوم في السماء، سارعوا لتقسيم “قطعٍ من الميكا السوداء” الممنوعة منذ سنوات (بلاستيك أسود)، تحصلوا عليها من طرف محسنين، يضعونها فوق خيامهم منعا لتسرب الأمطار.
بالنسبة لساكنة تيكخت ودواوير تضررت بزلزال الحوز، تعتبر كل قطرة ماء تسقط من السماء؛ بمثابة إنذار لما هو آت، إنذار لفترة قاسية داخل خيام أقامتها فرق القوات المسلحة الملكية وأفراد الوقاية المدنية وأيادي المحسنين في انتظار إعادة الإعمار.

في الصباح يتزاحم أهل الدوار الناجون على المراحيض الأربعة التي وفرتها منظمة غير حكومية رقت لحالهم، وفي الزوال حين ترتفع درجة الحرارة، يخلون الخيام هربا من الحر، وفي الليل يتكدسون، عن بكرة أبيهم، كل الأسر؛ برجالها ونسائها وأطفالها، في خيمة واحدة وهو ما يسبب حرجا للكثير منهم.
لبنى آيت أوشن، طفلة لم يتعدى عمرها الـ13 ربيعًا، فقدت أمها وأختها الصغرى، تقول لـ”مدار21″، إنه لم يبق لها إلا والدها وجدتها وعمها لتلجأ لهم بعد صدمة مازالت تظهر في ملامحها وفي ضحكتها الباردة حين تتحدث عن معاناتها، “كلنا الآن نعيش في خيمة واحدة.. صحيح أن الأمر محرج، لكن ما باليد حيلة، ندعو الله أن يفك كربنا”.

الطفلة لبنى التي تطوعت لتترجم لنا ما يقوله أهل الدوار بلسان أمازيغي، أكدت في تصريحها للجريدة أن “العيش في خيمة مع ذكور محرج، وانتظار طوابير المرحاض والاحتماء بقطعة بلاستيك أكثر حرجا ”.
الدوار الذي كان يضم 138 منزلا، جلها مبني بالطين والحجر، أصبحت ٱطلالا، وكان عدد سكانه 675، قضى منهم 70 شخصا نحبهم، من بينهم 36 تلميذا، ارتقوا إثر الزلزال الذي ضرب البلاد عند الساعة 11.11 ليلا وقلب حياة الآلاف من المغاربة رأسا على عقب.

على بعد خطوات من مخيم الناجين ومن مقبرة الراحلين، وتحت حطام المنازل، يظهر جزء من تلفاز وزربية ملونة، وهناك تظهر مخدة كانت تحتضن أحلام فتاة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، رحلت ولم يبقى لوالدها منها إلا صورة التقطتها ذات مرة بمدينة سياحية، يختزنها هاتفه المحمول المهشم، يستعملها كمسكن كلما اشتد الحنين.
يقول إيدر بن جاعة بصوت متشنج “هنا كان منزلي”، وهو يشير إلى مكان يبدو للوهلة الأولى، تلالا من التراب، لكنه في الحقيقة بقايا منزل كان يعج بالضحكات واليوم لم يبق منه شيء بعدما رحلت الزوجة والإبنة والأم والأب ورحل معهم أيضا مبلغ مالي كان يخبئه استعدادا لـ”دواير الزمان”.

إيدر طالب في حديثه لـ”مدار21″ بتسريع تنزيل تعليمات الملك محمد السادس، والتي اطلع على تفاصيلها من خلال الراديو، متمنيا أن يلمس أهل تيكخت وجميع ضحايا الزلزال الإجراءات المعلن عنها على أرض الواقع في القريب العاجل، مضيفا بنبرة حزينة “الشتاء على الأبواب، ولن يستطيع أطفالنا الصمود والبلاستيك ليس حلا”.
بعد 12 يوما من الزلزال وتحديدا في 20 من شتنبر الجاري، أعلن المغرب تخصيص ميزانية 120 مليار درهم (12 مليار دولار) لبرنامج إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال، والتي من المقرر أن تبلغ مدة تنفيذه خمس سنوات.

ويتضمن هذا البرنامج 4 محاور؛ إيواء المتضررين وإعادة بناء المساكن وإعادة تأهيل البنى التحتية، وفك العزلة وتأهيل المجالات الترابية، وتسريع امتصاص العجز الاجتماعي، ويستهدف نحو 4.2 ملايين نسمة في 6 أقاليم تضررت من الزلزال؛ وهي: الحوز ومراكش وتارودانت وشيشاوة وأزيلال وورزازات.
على الأرض وفي حياة الخيام، أضحت كل مهمات أهل تيكخت شاقة؛ تحضير الأكل، غسل الأواني والملابس؛ بسبب محدودية كمية الماء المتوفرة، وبعد مصادر المياه، بل حتى تزويد الهاتف بالكهرباء وبسبب دمار الأعمدة؛ أصبح يحتاج وقتا ومجهودًا، حيث يضطرون للتنقل إلى منزل سليم بمدخل الدوار، والانتظار في طابور بشري إلى أن يصل دور كل واحد.
ولأطفال تيكخت أيضا حصة من مخاوف فصل الشتاء، وموجات الصقيع المتكررة وأمطار لا تهدأ، وذلك ما عبر عنه ياسين ويحيى وعمران، والذين خطف الموت أمهاتهم، بجملة عفوية مختصرة، ممزوجة ببعض من الصدمة والبراءة، ل”مدار21″ : نريد مدرسة، ومنازل!”.
لجريدة “مدار21” الإلكترونية، يؤكد عمر أحنوش، رئيس جمعية تيكخت للتنمية، أن تساقط أمطار قليلة قبل أيام، حول الطرق الترابية الفاصلة بين الخيام إلى ممرات موحلة، تتسرب منها المياه إلى داخل الخيام”، وهو ما رصدناه من خلال محاولة النساء تمتينها عبر أحجار كبيرة تزنرها.

ويشرح بغصة أن “المطر كان يحمل الخير والسعادة في الأعوام الفارطة، لكن مجرد اقتراب حضوره هذا العام يرسم الحزن والمعاناة على الناجين الذين أضحوا يعولون على المساعدات التي وعدت بها جمعيات ومحسنون، والتي تتعلق أساسا بتوفير خيام عازلة وبطانيات وملابس العائلات المتضررة”.
ويسجل عمر، والذي اختار أن يواجه فقدانه لوالده جراء الزلزال، عبر مساعدة الناجين من خلال علاقاته مع جمعيات المجتمع المدني بمختلف المدن المغربية، أنه شرع منذ أسابيع في التواصل مع السلطات المحلية (قائد المنطقة والعامل) لتحضير المنازل المتنقلة (البرارك) في أقرب وقت، قبل حلول نونبر ودجنبر، “واللذان يعرفان تساقطات مطرية غزيرة.. لأنه لو بلغناهما ونحن في الخيام وتحت حماية البلاستيك، سيحدث أكثر مما وقع في الزلزال”.

وبخصوص المدرسة، قال عمر أحنوش، إن تلاميذ المرحلة الابتدائية والذين يقدر عددهم ب 56، مازالوا ينتظرون قرارا من المسؤولين، “ممثلو وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، زاروا المنطقة وأكدوا أن الأقسام هنا غير صالحة لاستقبالهم، لكن لا حل رسمي لحد الساعة”.
وعاينت “مدار21″، وعلى بعد كيلومترات قليلة من الدوار، بداية أشغال، أوضح أهل تيكخت، أنها “تهدف إلى تحضير قطعة أرض لاستقبال منازل متنقلة وعدت بها محسنة – تدعى ن.ف، وهي سليلة واحدة من بين أغنى العائلات في المغرب-، إضافة إلى خيام مقاومة للمطر ستخصص لاستقبال التلاميذ”.
ويرى عبد الفتاح عطاش، رئيس جمعية “أولاد البلاد” في تصريحه للجريدة، أن “المساعدات لا يجب أن تتوقف نحو الدواوير المتضررة”، مؤكدا أن عددا من الجمعيات الناشطة بالدار البيضاء اتفقت على إرسال قوافل مساعدات بداية نونبر، “لا يمكن أن نعتبر أن حملة التضامن انتهت، لأن إعادة الإعمار يحتاج 5 سنوات، وهذا الفصل قد يؤزم وضعية الناجين من الفاجعة”.
وبين من يحتاج منزلا متنقلا يأويه في ليالي الشتاء الموحشة، وبين من يحتاج حجرة مدرسية ليدخلها صباحا ليضمن أن الحياة تسير وأن المستقبل لا يحمل في طياته سوادا مطلقا، العديد من أهل الدوار أفصحوا عن حاجتهم لرعاية نفسية مستعجلة، فرغم الجهود المبذولة في الأيام الأولى بعد الزلزال من طرف أخصائيين نفسيين، إلا أن طريق التعافي من صدمة ارتجاج الأرض وفقدان الأحبة لازال طويلا.
بعينين دامعتين وصوت مكلوم، يؤكد محمد آيت جاعة، الشاب العشريني الذي سرق منه الزلزال حنان الأم وعطف الأب، أن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم المالي، “ما عشناه صعب جدا.. حالة الدوار وحالة أهله يرثى لها ونتمنى من المسؤولين أن يلبوا مطالبنا، ف”الباش” لن يحمينا من البرد ولا المطر، وأيضا حالتنا النفسية في حاجة للتدخل نحن نعاني كثيرا والكلمات عاجزة عن الوصف”.
سمير بادو، أخصائي نفسي، والذي سبق وتطوع لمتابعة عدد من ضحايا زلزال الحوز بدواوير مختلفة، من بينها تيكخت، قال إن الكوارث تسبب عدة تداعيات على الأشخاص سواء كانوا أسوياء أو مرضى نفسانيين، فهناك فئة من الأشخاص تسبب لهم الكارثة صدمة نفسية آنية من رهاب هلع وقلق اضطرابات في النوم.
وأوضح المتحدث ل”مدار21″، أن هناك أشخاصا قد تظهر عليهم الإضطرابات بعد مدد معينة، وقد يكون هناك أشخاص مرضى مسبقا وبعد الكارثة يتم “إحياء” الاضطراب النفسي من جديد مما يخلف تداعيات وخيمة على صحة المريض.
وبحسب الأخصائي فمعاناة فصل الشتاء، وفي حالة عدم نقل الناجين لخيام أكثر صلابة أو منازل متنقلة، قد تعمق الأزمات النفسية “لا شك أن عدم وجود سقف يحميهم في فصل الشتاء وحياة الخيام ستترك أثرا نفسيا وتزيد من إحساسهم بالعزلة، لذلك لا بد من المتابعة المستمرة”.

مصادر من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة لجريدة “مدار21” الإلكترونية، وبخصوص إعادة بناء المساكن بالنسبة للسكان المتضررين من الزلزال، ومن بينها دوار تيكخت، أن الوزارة تشتغل بالتشاور مع كافة المهنيين على إعداد دفتر التحملات الذي يحدد المواصفات المعمارية والتقنية.
كما أكدت أن الوزارة تعكف على للاشتغال مع وزارة الداخلية على إعداد دورية مشتركة لتبسيط مسطرة التراخيص للبناء في المناطق المتضررة، مشيرة أن الاستفادة من الشطر الأول للدعم المخصص لإعادة البناء وطلب الترخيص والتي تم تحديدها في 20 ألف درهم، سيكون قبل نهاية دجنبر كحد أقصى، إضافة إلى تقديم الدعم المباشر المحدد في 2500 درهم شهريا للأسر المتضررة.
وسجلت المصادر ذاتها أنه مباشرة بعد الاجتماع الذي ترأسه الملك محمد السادس وأعطى تعليماته للسلطات المختصة اجتمعت اللجنة البين وزارية برئاسة رئيس الحكومة من أجل تسطير خارطة الطريق لتنزيل هذا البرنامج، حيث تم القيام بعملية الاحصاء من طرف اللجان المختصة في جميع المناطق المتضررة والتي تشف عليها وزارة الداخلية بتنسيق مع وزارة السكنى والتعمير، وبمشاركة المنتخبين.
كما قالت أن الوزارة إنها ستطلق عددا من الإجراءات المستعجلة المتعلقة بالإيواء، ابتداء من منتصف أكتوبر، والتي من المرتقب أن يستفيد منها مختلف الدواوير، ومنها خيام جديدة ومعدات سيتم توزيعها على الأسر.
وبينما لاتزال ساكنة تيكخت؛ تعيش تحت الخيام بالخوف الذي يدب فيها من الأمطار، تزال الجراح ساخنة تحت الندوب، تنتظر الجهود الحكومية لتبلسمها وتعيد الأمل المنكوب لأوجه البسمة الصابرة رغم وجع الفقد وآلام المأساة.





