نمو اقتصادي سنوي قدره 5%.. طموح مشروع أم مجازفة غير محسوبة؟

جُرأة كبيرة ترقى للمجازفة تلك التي تمتعت بها رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديمها للبرنامج الحكومي يوم الاثنين الماضي بالبرلمان، إذ تعهدت بتحقيق نمو اقتصادي سنوي مُتوسط في حدود 5%، وهو معدل لم يحققه الاقتصاد الوطني في السنوات العشر الماضية سوى مرة واحدة، في ظل ظروف جد استثنائية متعلقة بانتعاش ما بعد “كوفيد19” سنة 2021.
وفي معرض حديثها بالبرلمان، أوردت المنصوري أن نجاح أولويات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية “يحتاج إلى نمو يُنتج قيمة مضافة عالية وفرص شغل”، مضيفة أنه على هذه الأسس تبنت الحكومة “مسارا اقتصاديا واقعيا”، يستهدف متوسط نمو بنسبة 5% سنويا خلال 2027–2031.
لغة الأرقام تحاصر المنصوري
غير أن لغة الأرقام تضع المنصوري أمام اختبار عسير للوفاء بالتزامه الذي وصفته بـ”الواقعي”، ذلك أن المرة الوحيدة التي اخترق فيها النمو الاقتصادي للمغرب عتبة الـ%5 كانت في سنة 2021، حين سجل قفزة قوية إلى 7.9% وفقاً لتقارير البنك الدولي، وهو أعلى معدل نمو حققته المملكة في العقدين الأخيرين، مدفوعاً بموسم فلاحي ممتاز وانتعاش قوي للطلب الداخلي والصادرات.
لكنّ هذا النمو التاريخي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العام، إذ تحقق بالأساس إثر ما سجلته السنة السابقة (2020) من ركود اقتصادي بلغ ناقص 7.2% بفعل جائحة “كوفيد19″، ولا أدل على ذلك من أن السنة التالية (2022) قد سجلت تقهقراً إلى معدلات عادية، بل متواضعة، لم تتجاوز 1.3% نتيجة عودة الجفاف وارتفاع نسب التضخم عالمياً.
وعدا ذلك، تبقى أفضل المعدلات التي حققها نمو الناتج الداخلي الخام للمملكة خلال السنوات العشر الأخيرة، هي التي تحققت في سنة 2017: بنسبة +4.2% بفضل موسم فلاحي جيد تعافى فيه المغرب من جفاف السنة السابقة.
وفي سنة 2018 تراجع معدل النمو نسبياً ليصل إلى 3.1% جراء تباطؤ معتدل في الإنتاج الفلاحي، ليستمر التباطؤ في 2019 إلى 2.5% في ظل موسم فلاحي متوسط، حيث اعتمد النمو أساساً على الأنشطة غير الفلاحية.
وبدءً من سنة 2023، سيستعيد الاقتصاد الوطني عافيته تدريجياً ليحقق نمواً بنسبة +3.4%، على الرغم من تحديات زلزال الحوز وارتفاع أسعار الطاقة، ثم سجل في سنة 2024 تسارعاً آخرَ ليصل إلى +4.4% بفضل الأداء القوي والدينامية التي شهدتها القطاعات غير الفلاحية كالسياحة والصناعة.
أخيراً، وفي سنة 2025، سجل الاقتصاد الوطني مُعدلا قريبة جداً من العتبة التي بشرت بها المنصوري، بنسبة 4.9%.
ارتهان لغيث السماء يجعل التكهن صعباً
صحيح أن وزارة الاقتصاد والمالية توقعت لهذه السنة (2026) إمكانية الوصول إلى 5.3%، في حال زوال قيود التزود بالمواد الأولية الطاقية وانخفاض أسعار النفط، لكن بقراءةٍ تحليلية في أرقام السنوات الماضية، يتضح جلياً اعتماد الاقتصاد الوطني في نموه على الفلاحة.
ويلاحظ أن كل المواسم الناجحة (التي تجاوز فيها النمو %4) عرفت تساقطات مطرية هامّة، في حين تسبب الجفاف في تدهور النمو الاقتصادي أحياناً إلى ما دون %2، كما يتضح أنّ الصناعة والخدمات ما زالا عاجزين عن الحد من هذا الارتهان.
ذلك ما أكده الخبير الاقتصادي، رشيد الساري، في تصريح لجريدة “مدار21″؛ “للأسف، لحدود الساعة، فإن الفلاحة هي التي تتحكم بشكل كبير في معدلات النمو بالمغرب إما إيجابا أو سلبا، بينما الصناعة والقطاعات الأخرى لا تمثل مساهمتها تقريبا إلا نحو 3%”.
وأضاف أن هذا الأمر يجعل معدل النمو يخضع بشكل أساسي لجودة الموسم الفلاحي، الذي هو بدوره رهين بالتساقطات المطرية؛ و”لا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن إمكانية تحقيق قيمة مضافة اقتصادية إذا لم يكن هناك موسم فلاحي جيد”.
نمو غير خلّاق للثروة والشغل وبعيد عن أهداف النموذج التنموي
من جهة أخرى أوضح رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن نسبة النمو الاقتصادي ليست مؤشراً كافياً على تحسن الاقتصاد الوطني، مستشهداً في هذا الصدد بوصول النمو، في عهد الحكومة السابقة، إلى ما يناهز الـ5%، إلا أنها “نسبة مكلفة” على حد تعبيره، بما أن الرفع من معدلات النمو بالمغرب يتطلب استثمارات ضخمة، خصوصا في قطاعات اجتماعية أو متعلقة بالبنية التحتية، وذات العائدات الاقتصادية المنعدمة أو الضئيلة.
ولترجمة هذه الملاحظة إلى لغة عملية؛ فإن معدلات النمو التي يحققها المغرب اليوم لا تخلق الثروة ولا تخلق مناصب الشغل؛ “الدليل على ذلك، – يضيف الساري -، إذا قمنا بمقارنة بين معدلات النمو في الثمانينيات، فقد كانت كل نقطة نمو تنتج لنا ما بين 30 ألفا و35 ألف منصب شغل، بينما اليوم، فإن كل نقطة نمو لا تخلق لنا إلا حوالي 10 آلاف منصب شغل”.
الرقم 5%، وإن كان يعد طموحاً واستثنائيا بالمقارنة مع السنوات العشر الماضية، إلا أنه يظل دون المستوى المطلوب لتحقيق أهداف النموذج التنموي.
ساري أوضح لـ”مدار21″ أن النموذج التنموي للمملكة يتحدث عن أكثر من 6% للوصول إلى تحقيق ما جاء فيه، أما صندوق النقد الدولي فيقترح أن يناهز معدل النمو 7% للوصول إلى الأهداف المسطرة فيه.
وأضاف المتحدث ذاته، من جهة ثانية، أن هناك تفاوتاً بين ما تتوقعه الحكومة وما يتوقعه بنك المغرب، الذي يتوقع ألا تتجاوز نسبة النمو 2.9%. كما أشار إلى أن معدلات النمو حتى تكون متواترة في نفس المستوى (5%) يجب أن تكون هناك إضافة سنويا لـ1.3%.
وخلص إلى أن “السؤال المطروح اليوم، هل بهذه النسب سوف نخلق الثروة أم لا؟ هل بهذه المعدلات سوف نخلق مجموعة من مناصب الشغل؟ هل تتيح خلق قيمة أو ميزانية إضافية كالتي تحدثت عنها الحكومة في حدود 350 مليار درهم؟ بالمعطيات المتوفرة اليوم، وبالطريقة التي سوف يتم انتهاجها، فإنني أستبعد هذه المسألة”.





