مجتمع

تعديلات مدونة الأسرة.. حقوقيات يرفعن شعار المساواة ويطالبن بقانون شامل دون ترقيع

تعديلات مدونة الأسرة.. حقوقيات يرفعن شعار المساواة ويطالبن بقانون شامل دون ترقيع

ما تزال تعديلات مدونة الأسرة تثير نقاشا في المغرب، وسط دعوات حقوقية لإحداث تغيير جدري وإصلاح شامل لقوانينها “دون ترقيعها” لخلق أسرة متساوية من حيث الواجبات والحقوق وتحقيق المصلحة الفضلى للأطفال، بعيدا عن التجاذبات السياسية.

وتنادي الجمعيات التي تنشط في مجال حقوق النساء بتعديلات شاملة تهم مؤسسة الزواج في الجوانب المتعلقة بتعدد الزوجات، والطلاق، والصداق، وتغييرات جدرية في المحاور المتعلقة بالمصلحة الفضلى للأطفال على مستويات الولاية الشرعية والحضانة، إلى جانب تطوير منظومة الإرث بالاعتماد على الاجتهاد القضائي.

مراجعة شمولية

وفي هذا الإطار، تقول عاطفة تمجردين، نائبة رئيسة الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، إن الجمعيات النسائية تتطلع لإعادة النظر في المدونة في شموليتها وبعمق، لاسيما في مسألة القوامة التي تميز بين النساء والرجال في عدد من موادها، مثل الولاية في الزواج، والمادة 400 التي تمنح للقاضي اللجوء إلى المذهب المالكي، باعتبار أن هذا المذهب لا يتماشى مع تغير المجتمع وتطوره، ما يتطلب الاجتهاد لمنح نوع من التكييف للنصوص مع الواقع.

وتشير الحقوقية في تصريح لجريدة “مدار21” إلى أن هذا الإصلاح يجب أن يستند إلى الدستور والمواثيق الدولية، لاسيما في الشق المتعلق بالمصلحة الفضلى للطفل بغض النظر عن وضعيته الاجتماعية، ما إذا كان طفلا شرعيا أو غير شرعي، مطالبة بإلغاء كل ما يتعلق بتزويج الطفلات.

وشددت على أن الولاية القانونية يجب أن تكون مشتركة بين الأم والأب في أثناء الزواج، وأن تكون الحضانة مع الولاية في حالة الطلاق إما للأب أو الأم، وعدم نزع الأطفال من الأم في حالة الزواج مرة ثانية، ثم ضرورة تحمل الأب مسؤولية الأبناء سواء أكانوا في إطار الزواج أو خارجه.

وتضيف المتحدثة ذاتها أن مؤسسة الزواج ينبغي أن تنبني على واجبات وحقوق متبادلة بين الطرفين، داعية إلى التخلي عن الصداق وعدم اعتباره شرطا من شروط صحة الزواج، وأن يكون مجرد هدايا بين الطرفين.

وتابعت: “يجب أن تخضع رعاية الأسرة للمساواة بين الطرفين كل حسب إمكانياته، إلى جانب إعادة النظر في مسألة زواج المسلمة بغير المسلم، وإخضاعها أيضا للمساواة، لكون نسبة 73 في المئة في الزواج المختلط تعود للنساء مقابل 29 في المئة للرجال”.

وفي السياق ذاته، أردفت تمجردين أنه يجب الاحتفاظ بمسطرتين للطلاق فقط، إما اتفاقي أو من قبل طرف من الطرفين عن طريق القضاء، بدل تعدد المساطر”.

وتطالب الحقوقية بإلغاء المواد التي فيها تحايل على القضاء مثل المادة 16 المتعلقة بثبوت الزوجية، والمادة 20 المتعلقة بالتعدد، إضافة إلى كل المواد التي فيها إمكانية للتحايل.

وبخصوص الإرث، ترى الفاعلة الحقوقية ذاتها أنه قابل للاجتهاد، في مسألة التعصيب والمساواة بين الذكور والإناث، وأن تحتفظ الزوجة بالسكن بعد وفاة الزوج، وتفضيل الورثة في وضعية هشة، إذ يجب أن تعطى الأسبقية للأطفال في وضعية إعاقة.

التغييرات يجب أن تهم فلسفة وروح المدونة

من جانبها، ترى الفاعلة الحقوقية والرئيسة السابقة لمنظمة النساء، سعيدة إدريسي، أنه لا ينبغي إجراء تعديلات فقط على مدونة الأسرة الحالية، إنما ينبغي أن تتغير فلسفتها وروحها بشكل جدري، من بدايتها إلى نهايتها.

وأضافت إدريسي في تصريح لجريدة “مدار21” أنه ينبغي إعادة النظر في مسألة القوامة، عادّة أن الرجل يملك سلطة كاملة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال، إلى جانب استفادته من عدة ثغرات في ما يتعلق بتعدد الزوجات رغم وجود شرط توفره على الإمكانيات المادية.

وترى الحقوقية أن لمدونة الأسرة مرجعيات كثيرة فقهية مذهبية وغيرها، لكنها لا تخضع بشكل تام لمقتضيات دستور 2011، الذي ينص على مسألة المساواة في الحقوق المدنية والاقتصادية، ما يفرض وجود ملاءمة، مردفة: “لا يمكن أن يكون لدينا دستور يعترف بالمساواة بين النساء والرجال وفي المقابل توجد قوانين فيها تمييز ضد المرأة، حيث إن ذلك يعد تناقضا، فيجب على المدونة أن تتبنى روح وفلسفة الدستور، أي المساواة في جميع الحقوق، أما اتباع سياسة الترقيع والتعديل لن يحل المشاكل”.

وضمن التعديلات التي تشير سعيدة إدريسي إلى ضرورة إلحاقها في المدونة المرتقبة، انسجام نظام الموارث مع البعد المعياري للمساواة والعدل، والمواثق الدولية التي انضم إليها المغرب، عادّة أنه يجب فتح باب الاجتهاد في هذا المجال، والأخذ بمبادئ العدل والمساواة والإنصاف، والأعراف في الموروث الثقافي، ضمنها مساهمات النساء بعملهن المنزلي والفلاحي الذي تطور إلى الشق المهني في اكتساب ممتلكات العائلة، مبرزة أنه “لا يمكن أن نسير على المنهج نفسه في الوقت الذي تغير فيه الواقع والعصر”.

وبخصوص النفقة، تقول الرئيسة السابقة لمنظمة النساء، إنه يجب أن تعتمد في تحديدها على معايير اقتصادية، ففي حالة ما إذا كانت المرأة تعمل والرجل لا يملك مدخولا، يمكن للأم أن تنفق على أطفالها، تماشيا مع مطلبنا بالمساواة إذ لا يمكن إلزام الرجل بدفع النفقة بمفرده والأم الحاضنة لها إمكانيات مادية تفوقه.

وعن الولاية الشرعية، تطالب المتحدثة ذاتها، بالمساواة في التكفل الإداري والقانوني بالأطفال، رافضة حصرها لدى الأب، مضيفة: “يجب أن تكون متقاسمة بين الطرفين، أو تمنح للحاضن أو الحاضنة، لتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، حيث إن الولاية الشرعية الممنوحة للأب أحدثت الكثير من الصعوبات لدى الأطفال في التعليم والتطبيب لعدم حصول الأم على موافقة الأب”.

حماية الفئات المهمشة وحقوق الأطفال

وتقول الفاعلة الحقوقية فاطمة عريف، رئيسة جمعية صوت الطفل، إن ‏مدونة الأسرة تتطلب إعادة النظر لحماية الفئات المهمشة، حيث أصبحت منذ سنوات لا تلاقي اهتماما كبيرا من طرف المواطنين، لكون أغلبهم انشغل بمسائل مدونة الحقوق العينية-الملكية العقارية والأراضي السلالية وأراضي الجموع، ‏والواقع أن مدونة الأسرة تؤثر بشكل مباشر على حياة الفئات الاجتماعية الفقيرة، إذ إن انحلال ميثاق الزوجية يؤدي إلى تشرد وحرمان الأطفال. بمعنى أن مدونة الأسرة تمثل مصيدة لهؤلاء الفقراء، فهم بين المطرقة والسندان بين واقع اجتماعي صعب.

وتضيف عريف في تصريح لجريدة “مدار‏21”: “بالنسبة للبعض الآخر، فهي وسيلة لحل الخلافات والقضاء المبرم على الطرف الآخر، على غرار التخطيط الاستراتيجي في كتاب الحرب يلجأون إليها للأضرار ببعضهم البعض”، مبرزة أن “المطلوب الآن هو وجود نظرة شاملة لإصلاح مدونة الأسرة، بعيدا عن التأثيرات السياسية أو محاولات التلميع لأن نقاش اليوم ستحصده الأسرة المغربية غدا”.

وتصر عريف على أن ‏قضية تعديل أو إصلاح مدونة الأسرة تتطلب النظر إلى مصلحة الفئات الفقيرة والحفاظ على حقوق الأطفال قبل كل شيء.

وتشير المتحدثة ذاتها إلى أن ‏الإحصائيات تكشف حقيقة صادمة بشأن قضايا التطليق للشقاق، والتي تملأ المحاكم في يوم واحد بأعداد كبيرة، التي تؤثر سلبًا على حياة الأفراد وتفتح بينهم آثارا عميقة، متسائلة: “هل نستمر في تجاهل هذه الأزمة العاطفية والاجتماعية؟”.

واسترسلت في السياق ذاته: “‏قضايا طلاق الشقاق ليست مجرد إحصائيات وأرقام، بل هي قصص حقيقية، يجب أن نلتفت إلى هذه المعضلة ونبحث عن حلول فاعلة. ‏لماذا نسمح لقضايا التطليق للشقاق بالتفاقم؟”، مؤكدة أنه “يجب أن نعمل على تعزيز آليات التسوية العادلة والتوعية بأهمية الحوار والتفاهم في العلاقات الزوجية والأسرية”.

وترى عريف أن ‏التغيير ليس مستحيلاً، ما يجب هو العمل سويًا على تعزيز الوعي وتقديم الدعم للأفراد المتأثرين بقضايا التطليق للشقاق، من خلال دعم البرامج والمبادرات التي تهدف إلى حل المشكلات العائلية بطرق بناءة ومستدامة، وألا تكون مجرد أرقام في إحصائيات، بل صوتًا ينادي بالتغيير، لتحقيق المصالحة الأسرية وتعزيز الاستقرار والسعادة في مجتمعنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News