مجتمع

“أسفالو”.. منتجع سياحي بتاونات يستقطب آلاف الزوار يتحدى إهمال وزارة السياحة ومسؤولي الإقليم

“أسفالو”.. منتجع سياحي بتاونات يستقطب آلاف الزوار يتحدى إهمال وزارة السياحة ومسؤولي الإقليم

على بعد حوالي 60 كيلومترا من مركز مدينة تاونات يتواجد منتجع أسفالو بجماعة مرنيسة، الذي تحول إلى قِبلة للزوار من داخل المغرب وخارجه، بعد أن لعبت مواقع التواصل الاجتماعي ومجهودات شباب المنطقة دورا كبيرا في التعريف به، أمام غياب تام لوزارة السياحة ومندوبيتها الإقليمية وتجاهل من طرف المجلس الجماعي.

على الطريق المؤدية للمنتجع، وبعد عبور مركز جماعة مرنيسة، تتوافد عشرات السيارات لمواطنين قرروا اكتشاف الجمال الساحر للمنتجع المتواجد في فج أمام سد أسفالو، حيث تتجمع مياه باردة وصافية، تجعل عناء الوصول إليه هيِّنا،بالرغم من أن السيارات تسير ببطء شديد بسبب الطريق غير المعبدة، والتي تعود إلى الحقبة الاستعمارية.

ولولا المياه الزرقاء التي تتراءى للزوار على جانب الطريق “المنكوب”، لقرر كثيرون العدول عن قرار استئناف المسير نحو وجهة لم يكتشفوها إلا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن سحرتهم عبارة “صور بدون فلتر” التي رافقت منشورات تروج للوجهة، والتدوينات التي تثني على مناظرها الخلابة.

بعد الوصول إلى الوجهة المقصودة وانتهاء الطريق، حيث يضطر الزائرون لترك سياراتهم للسير على الأقدام، يتفاجأ الواصلون بعد عناء بأنهم أمام موقف سيارات عشوائي وغير مهيئ، حيث يتكفل شخص بصّف السيارات الواصلة كما اتفق، لأن عيون الجماعة والمسؤولين أخطأت هذا الكنز الطبيعي لتهيئ موقف سيارات يليق بشهرته.

تنطلق رحلة الأقدام إلى الأسفل، فيجد الزائر نفسه أمام منحدر خطير وغير مهيئ يضطر معه لاستعمال “الفرامل الطبيعية” لرجليه ليقاوم المنحدر الشديد، بينما يسير على طريق عبدتها أرجل من سبقوه فقط، في التواءات تروح ذات اليمين وذات الشمال. أناس من مختلف الأعمار ينزلون في اتجاه المنتجع الذي يظهر من فوق مثل جوهرة زرقاء مستقرة في سفح الجبل.

لا يأبه الناس لصعوبة المسلك الطرقي المؤدي للمنتجع، إذ ينشغلون بالاستمتاع أكثر بسحر المنظر الطبيعي الخلاب والتقاط الصور والفيديوهات رفقة أصدقائهم وعائلاتهم، لتخليد هذه الزيارة التي ستظل لا محالة عالقة بأذهانهم، غير مكترثين بأن طريق العودة ستكون أصعب، بعد أن تخلت السلطات المنتخبة والمعينة عن تهيئة المسلك وتوفير حواجز الأمان.

مع الوصول الصعب إلى المنتجع ينتعش الزوار الذين قدموا من مختلف مدن المغرب ومن خارجه بجمالية المنظر، وهم يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى ليشاهدوا تمازج إبداع الخالق مع صناعة البشر لنسج منظر مهيب لسد مائي ضخم تتسلل منه مياه باردة وصافية، ترسو فوقها زوارق صغيرة لمن أرادوا خوض تجربة التجديف.

بيوت قصبية، بعضها مهيأ وأخرى مهملة من السنة الفارطة في انتظار قدوم أبناء المنطقة للإشراف عليها، يتم كراؤها للزوار بمبالغ تتراوح بين 50 درهم و70 درهما، وربما أكثر حسب مزاج بعض شباب المنطقة الذين يعوزهم التكوين والتأطير وكذا المراقبة والضبط من طرف السلطات الغائبة تماما عن المكان.

يستمتع الناس بالمناظر الساحرة وشلالات الماء المتدفقة، ويُعد بعضهم أطباق الأكل المتنوعة، بينما يختار آخرون الاستمتاع بالسباحة، ويفضل البعض الآخر ترديد الأغاني والاستمتاع بالموسيقى.. بين المتواجدين بالمنتجع تتقلص المسافات الاجتماعية في طقس احتفالي جماعي قل نظيره.

“شمعة في الظلام”..

ابن المنطقة سعيد الدفلاوي، الذي يشتغل تاجر عقاقير في مهنته الأصلية، تحول مدفوعا بالغيرة على المنطقة إلى الاستثمار بالمجال السياحي، بعد أن أنشأ مأوى يضم مقهى ومطعم وأسرة للمبيت، يضعها رهن إشارة الزوار ومنظمي الأسفار الذين تتوافدون عليه، يحكي لجريدة “مدار21” بأن المشروع جاء بعد أن لاحظ أن مجموعة من الزوار يأتون إلى المنطقة ولا يجدون أماكن للمبيت، حيث يضطرون مرغمين أن يعودوا أدراجهم، وكانت اللحظة الفارقة حينما التقى عائلة وصلت ليلا ولم تجد أين تستقر.

وأورد الدفلاوي أنه أنشأ مشروعه، الذي يعد الوحيد بالقرب من المنتجع، منذ حوالي عشرة أشهر، مضيفا أن الطلب عليه كبير وأنه يضطر إلى إخبار الناس بأن الأماكن كلها مملوءة عن آخرها لتأجيل زيارتهم، وذلك رغم أنه أضاف خيم مجهزة خارج المأوة ومع ذلك لا يستطيع الاستجابة للطلب، مشيرا إلى أنه يفكر في توسيع المأوى أكثر لاستقبال الزوار، وتزويده بمرافق إضافية.

غياب المسؤولين

وأشار سعيد إلى أنه لم يلجأ إلى تخصيص بيوت قصبية أو خيم للزوار بمحاذاة المنتجع لأن “الأمن غير متوفر للمبيت هناك بسبب غياب الحراسة والمخاطر التي قد تحدق بالزوار”، موضحا أن وزارة السياحة وجماعة مرنيسة وعمالة تاونات “أكثر من غائبون”، مستغربا أن منتجعا يستقبل آلاف الزوار يوميا ومع ذلك لا يوجد به أي مسؤول.

وأبرز الدفلاوي أن حالة الطريق “كارثية بكل المقاييس”، مشيرا إلى أنه حتى المقطع الطرقي الذي يتم تجهيزه الآن يتوجه إلى منطقة بورد وليس إلى منتجع أسفالو، الذي تعوده طريقه إلى فترة الاستعمار، موضحا أن هذا الأمر يشكل عائقا أمام الزوار للعودة، خاصة وأن المنتجع بات لديه صدى عالمي وليس وطني فقط.

وفي هذا السياق، يضيف سعيد أنه سيستقبل 45 سائحا أجنبيا من رجال الإطفاء من العاصمة الفرنسية باريس، حيث سيقضون 5 أيام بالمنتجع، مؤكدا أنه يتلقى اتصالات من مختلف بلدان العالم، من بلجيكا وهولندا وإسبانيا وغيرها، وذلك بعد الدور الكبير الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في التعريف بالوجهة، ذلك أنه بدأ بنشر فيديوهات المنطقة دون أن يعلم أن النتيجة ستكون على ما هي عليه اليوم.

نقص الاستثمار..

ويضيف سعيد في حديثه للجريدة أن المنطقة تتوفر على العديد من المناظر الخلابة الأخرى التي تتعرض للإهمال من طرف المسؤولين مثل “غدير حما”، وجبل “توفا” الذي يعد ثاني أعلى قمة بالإقليم بـ1757 متر، وغابة الزروق التي تتوفر على شلال كبير بـ150 مترا تقريبا، مضيفا أن السائحين بإمكانهم زيارة مختلف هذه المناطق التي لا يعرفها الناس، مشيرا إلى أنه أنجز مؤخرا فيديو عن غدير حما وصل إلى مليون مشاهدة.

وطالب المتحدث نفسه بانخراط المندوبية الإقليمية للسياحة وعمالة تاونات وجماعة مرنيسة في هذه المجهودات، خاصة وأن الاستثمار بالمنطقة يتطلب رأسمال مهم، وستكون النتيجة باهرة على حد تعبيره، لافتا إلى أنه صرف إلى حدود اللحظة ما يناهز 157 مليون سنتيم لإنجاز المأوى فقط لأنه يريد لهذه المنطقة أن تتطور.

ورغم العراقيل، يؤكد الدفلاوي أن الزوار يبقى لديهم انطباع إيجابي عن المنطقة، بسبب حسن الاستقبال والأثمنة المناسبة التي يتم تحديدها للأكل والمبيت، مشيرا إلى أن هدفه ليس ابتزاز الناس بل تسويق المنطقة لترك انطباع إيجابي لديهم، لأنه يعتبر الزوار مثل عائلته.

وحول بعض الممارسات لمتطفلين يضايقون الزوار، يؤكد الدفلاوي أن السبب هو سيادة العشوائية في التدبير، موضحا أنه طلب من الشباب الذين لديهم بيوت قصبية تنظيم أنفسهم للاشتغال بطريقة جيدة والاستفادة بشكل جماعي، وأن يتفادوا رفع الأثمنة، موضحا أن الفراغ الذي تركته السلطات يسبب بعض الممارسات التي تؤثر على جاذبية المنتجع، متسائلا “ما الذي تنتظره السلطات لتتفاعل وتقوم بواجبها علما أن المنطقة باتت تجلب آلاف الزوار؟”.

ويشكل منتجع أسفالو إحدى أهم الوجهات التي تم الانتباه لها في الآونة الأخيرة، إذ يسعى الناس من مختلف المدن المغربية ومن الخارج لزيارته بسبب الصدى الإيجابي، في انتظار تدخل الجهات المسؤولة لتزيد من جاذبيته أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News