خبراء يقترحون سبل إنجاح تنزيل استراتيجية “نسيج” لجعل الجمعيات فاعلا رئيسا في التنمية

خلص المشاركون في الندوة التي نظمتها الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، مساء أمس الأربعاء، بالقاعة الكبرى بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حول استراتيجية “نسيج” للنهوض بجمعيات المجتمع المدني (2022-2026) ، إلى أن هذه الرؤية الحكومية تواجه مجموعة من الرهانات والتحديات في التزيل.
رؤية حكومية لإشراك المجتمع المدني في التنمية
وفي هذا الإطار، قال الكاتب العام بالوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، إسماعيل العلوي الإسماعيلي، نيابة عن الوزير مصطفى بايتاس إن الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمجتمع المدني “تحمل طروحات بديلة وواعدة للنسيج الجمعوي والمجتمع المدني”، مؤكدا أن المجتمع المدني “مكون حيوي في الحياة الديمقراطية والمؤسساتية لأي مجتمع، لاسيما وأن المجتمع المدني في المغرب قادر على التعامل بروح تضامنية مع مختلف المبادرات”.
وأضاف إسماعيل العلوي الإسماعيلي، في المداخلة التي ألقاها نيابة عن الوزير مصطفى بايتاس الذي تعذر عليه حضور هذه الندوة، أن الخطب الملكية تدعو إلى “إشراك المجتمع المدني، ووعيا من الوزارة بدوره في الديمقراطية التشاركية وتنمية البلاد، شرعت في تطوير استراتيجية أطلقت عليها اسم “نسيج”، وهي رؤية حكومية تضع المجتمع المدني في مصف الشركاء الأساسيين في تنمية البلاد، وتستجيب للنسقية التي أتى بها النموذج التنموي الجديد القائم على التكامل بين دولة قوية ومجتمع قوي”.
وأوضح المتحدث ذاته أن هذه الاستراتيجية “تُقدم خارطة طريق من خلال مجموعة من الرهانات المرتبطة بالبيئة التي ينشأ ويتطور فيها النسيج الجمعوي، الذي يفرض إعادة النظر في هذه البيئة وتأهيلها وفق التوجيهات الملكية، وأحكام الدستور لسنة 2011، ومضامين النموذج التنموي الجديد من أجل الاستمرار في إرساء بيئة موازية لتطوير الجمعيات والنسيج الجمعوي”.
وزاد ضمن الرهانات أيضا ما يتعلق بهيكلة قدرات الجمعيات التي “لا تتمتع اليوم بالقدرات الفنية والتنظيمية الكافية واللازمة لإنجاز مهامها”، مشيرا إلى أن هذه الاستراتيجية تأتي لأجل “دعم الفاعلين الجمعويين من أجل ضمان الاستدامة على مستوى الهياكل والتنظيم والمهارات، إضافة إلى رهان آخر مرتبط بمشاركة الجمعيات في السياسات العمومية التي يمكنها أن تساهم بشكل أكبر في هذا الجانب، ما جعل استراتيجية “نسيج” تعزز دور الجمعيات للمشاركة وتنفيذ وتتبع وتقييم السياسات العمومية”.
وتابع: “وهناك رهان متعلق بالولوج إلى التمويل العمومي وتدبيره وتتبعه، إذ ستضمن هذه الاستراتيجية التمويلات الموجهة للجمعيات بالتتبع والتنسيق”.
وشدد الكاتب العام على أن الوزارة “تواصل تشجيع الجمعيات على الدفع بمبادرات مبتكرة من خلال جائزة المجتمع المدني، وإطلاق دورات تكوينية لفائدة الجمعيات انطلاقا من هذا الأسبوع بداية بجهة فاس مكناس لتعزيز قدراتها”.
تحديات التنزيل
من جهته، قال الفاعل الجمعوي عبد الكبير لجميعي إن الاستراتيجية “تشكلت انطلاقا من آراء وأفكار استسقيت من النقاش العمومي حول المجتمع المدني سواء عبر النقاش الرسمي أو النقاشات الأخرى، إضافة إلى اللقاءات الموضوعاتية التي نظمت من قبل الوزارة ومجموعة من الفاعلين”.
وأردف لجميعي، في مداخلته في هذه الندوة، أن هذه الاستراتيجية “جاءت في سياق النموذج التنموي الجديد الذي يجب أن يتضمن مقترحات مبتكرة تجيب عن التحديات المستقبيلة التي تواجه الجمعيات والمجتمع المدني، إذ يمكنهما المساهمة في تحسين الجمود على مستوى السياسات العمومية والإسهام في التنمية”.
وفي ما يخص الإشكالات، لفت الفاعل الجمعوي إلى أن هناك تحديات تواجه الحياة الجمعوية لإرساء الديمقراطية التشاركية ومن أجل توسيع قاعدة الحوار والتشاور مع الفاعلين المدنيين وخلق فضاءات للنقاش المستمر والممتد عبر الزمن، مرتبطة بمكونات المجتمع المدني وتنفيذ مقتضيات الفصل 12 من الدستور الذي يمنح الجمعيات دورا مهما لإعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، واصفا الأمر بـ” غير الهين”.
وواصل حديثه عن الإشكالات التي تسعى الاستراتيجية إلى معالجتها قائلا: “تظهر الاستراتيجية الملامح الأولى بشأن التعاطي مع السياسات العمومية، لكن يجب أن توضح أيضا كيفية التعاطي مع المشاكل الترابية، لأن المشاكل الحقيقية موجودة في المجالات الترابية التي تعيش هشاشة في القرار العمومي ما يتطلب رفع منسوب الثقة في الفاعلين العموميين وفعاليات المجتمع المدني”.
ويرى لجميعي أن هناك تحديات كبرى في تنزيل استراتيجية “نسيج” على المستوى الجهوي والمجال الترابي، ما يتطلب رصد دورات تكوينية، وقياس الأثر لها، للمساهمة في رفع أداء الجماعات الترابية عبر الإنصات إلى المجتمع المدني وتوسيع دائرة التشاور والتحاور مع فعالياته، والوصول السليم للمعلومة، والتخلص من العراقيل التي من الممكن أن تعيق تنفيذ هذه الاستراتيجية.
غياب معطيات رقمية ونوعية عن آلاف الجمعيات
وفي مداخلته بالندوة، كشف مدير العلاقات مع المجتمع المدني، حاميد بنشريفة، أنه نظرا لصعوبة إشراك جميع الجمعيات الكثيرة، “اختارت الوزارة إشراك الائتلافات الجمعوية الكبرى في كل المجالات، منها من تشتغل في مجال الإعاقة، والطفولة، والمرأة والبيئة وغيرها، والتي ساهمت في إعداد هذه الاستراتيجية”.
وأوضح بنشريفة أن هذه الاستراتيجية مرت بخمس مراحل أساسية، بداية بدراسة جميع ما أنتج في المملكة في العشرية الأخيرة منذ 2011 أي كل تقارير المؤسسات الدستورية الوطنية، منها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي لـ2016، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات لسنتي 2019 و2020 اللذين يوضحان خريطة طريق لوضع لبنات مجتمع مدني فاعل وقادر على تحمل المسؤولية في كل المجالات، ثم تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان في 2015، وتقرير لجنة مراقبة المالية العمومية في 2016، ومجموعة من الحوارات التي حملت العديد من التوصيات.
وأشار المتحدث ذاته إلى أنه بالموازاة مع هذه الدراسات الوثائقية، انفتحت الوزارة على مجموعة من التجارب الدولية في إعداد الاستراتيجية، مردفا: “تابعنا ما يجري في 21 دولة عبر العالم، منها 14 دولة في أوروبا و4 دول في إفريقيا ودولتان في أمريكا الشمالية وأخرى في أسيا”.
واسترسل قائلا: “هذه الدراسة الوثائقية والمقارنة أسفرت عن هذه الاستراتيجية التي تجعل من المجتمع المدني فاعلا أساسيا في التنمية، خاصة وأن المجتمع المدني لم يعد دوره موسميا، بل أصبح منخرطا في شتى المجالات وفي كل بقاع المغرب”.
وبالنسبة للمعيقات التي خصصت لها مساحة في هاته الاستراتيجية، تحدث المسؤول عينه عن العائق المرتبط بالمعلومة قائلا: “نحن في 2023 ولما نزال لا نتوفر على معطيات رقمية أو نوعية حول آلاف من جمعيات المجتمع المدني، عما إذا كانت ما تزال تنشط أم توقفت عن العمل في الميدان، إضافة إلى عدم التوفر على معطيات حول مسألة التوزيع الجغرافي لهذه الجمعيات في جهات المملكة، ونوع مساهماتها في خلق ثروة في بلادنا، إلى جانب إشكالات مرتبطة بتقوية قدرات الجمعيات وكفاءات الفاعل الجمعوي، من خلال التكوين والمواكبة”.
وتابع: “وبما أن مساهمة الجمعيات في التشغيل يعد أمرا أساسيا خصصنا له برنامج، لتكون قادرة على خلق فرص شغل واستمرارية”.
في حاجة إلى قانون جمعيات يعكس روح الوثيقة الدستورية
أما الأستاذ الجامعي والخبير في مجال المجتمع المدني، أحمد مفيد، فإنه يرى أن “النسيج” ليست مجرد وثيقة، بل هي تخطيط استراتيجي يترجم ويعكس المكانة الحقيقة للمجتمع المدني كما جاءت في مجموعة من الخطب الملكية والوثيقة الدستورية”، مشيرا إلى أن المجتمع المدني أصبح” سلطة حقيقية، لأن له تمثيلية، ويشكل قوة أكبر من كل المكونات الأخرى”.
وقال مفيد، في مدخلته بمناسبة الندوة نفسها، إنه “لا يمكن أن تكون حكامة تشاركية إن لم نشرك الساكنة، ووضع منهجية تشاركية في التشخيص والتنفيذ والتتبع والتقييم، وجعل المواطنين شركاء حقيقيين في صناعة السياسات والقرارات العمومية، وهي الغاية التي يسعى إليها المشرع الدستوري، والتي أشار إليها بنص صريح في الدستور”، مبرزا أن المؤسسات المنتخبة ملزمة بإشراك المواطنات والمواطنين، وفق ما جاء في فصول الدستور والقوانين التنظيمية.
وتطرق الخبير ذاته إلى تحديات التزيل، إذ أكد أننا “ما نزال في حاجة إلى قانون جمعيات يعكس روح الوثيقة الدستورية، ويواكب هذه الأدوار الدستورية الجديدة التي أسندها المشرع للمجتمع المدني”.
واقترح الأستاذ الجامعي رصد إطار مرجعي لهذه المهن والكفاءات التي لها علاقة بالمجتمع المدني وخلق شركات مع الجامعات من أجل وضع تكوينات مهنية في العمل الاجتماعي وإعداد المشاريع، وإعداد التقارير، عادّا أنه ليس لكل الجمعيات قدرات وكفاءات تجعلها فاعلا رئيسا في مجال السياسات العمومية، لأن، هذا الأخير تقني وليس للنقاش فقط، لذلك يجب الخضوع لتكوينات في الجامعات العمومية.





