مجتمع

كفاءة وتجهيزات تقنية استثنائية..هكذا يفكك الأمن المغربي الجرائم الغامضة

مهمتها فك خيوط الجرائم والقضايا الغامضة، وسلاحها في ذلك يكمن في العلم والأجهزة التكنولوجية المتطورة التي وُضعت رهن إشارتها، وهي تنصب على اقتفاء أي أثر سواء كان صغيرا أو كبيرا، ولا يغمض لها جفن حتى تبلغ المراد وتكشف الحقيقة لإدانة الأشخاص أو تبرئتهم، إنها الشرطة التقنية والعلمية مفتاح المغرب في حل ألغاز الأفعال الإجرامية المحيرة والاعتداءات الإرهابية الخطيرة.

الشرطة التقنية والعلمية فرع من الأمن الوطني المغربي، ومن بين مهامها التحليل التدقيقي والتفصيلي لمسرح الجريمة، حيث ظهر هذا الجهاز بالمغرب آواخر عام 1995، واتخذ من العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء مقرا له.

وفرضت أحداث 16 ماي 2003، التي راح ضحيتها 45 شخصا وعرفت إصابة نحو 100 آخرين، على المغرب تبني مقاربات لتطوير آليات تدبير الجريمة، واعتماد مقاربة أمنية استباقية، بالإضافة إلى توظيف كفاءات عالية على صعيد الشرطة التقنية والعلمية لمواجهة الجرائم.

جريدة مدار21 حلت بالمختبر الوطني للشرطة التقنية والعلمية بالدار البيضاء لتقربكم من تفاصيل عمل الشرطة العلمية بالمغرب.

تطورات كبيرة عقب أحداث 2003

تروي حكيمة يحيى عميد ممتاز ومديرة المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية، في حوار مع جريدة مدار21، أن الشرطة العلمية والتقنية شهدت تطورا هاما خلال السنوات الأخيرة، عبر محطات، وتعد المحطة الكبرى أحداث 2003، التي فرضت مراجعة في عملية تدبير الجريمة بشكل عام، التي تضم مجموعة من المكونات، أهمها مسرح الجريمة، إذ تطلب الأمر، اعتماد فرق يتم تكوينها والتي تتكلف بجمع العينات وتدبير مسارح الجريمة.

حكيمة يحيى

فمن خلال ذلك الحدث الإرهابي، تضيف يحيى، تم تطوير فرق تقنيي الجريمة، التي جرى تعميمها في جميع ربوع المملكة المغربية، عبر مصالح خاصة بالتشخيص القضائي والتي تتكلف بأخذ العينات والمعلومات المتعلقة بجريمة معينة تحت إشراف النيابة العامة وضابط الشرطة القضائية.

هذه المحطة أفرزت استراتيجية لتطوير آليات تقنيي مسارح الجريمة والذي يصل عددهم إلى 720 الأشخاص يشتغلون في إطار التشخيص القضائي.

الحفاظ على مسرح الجريمة

في هذا الإطار، كشفت حكيمة يحيى أنه في ما يخص الحفاظ على مسرح الجريمة في الشق المتعلق بالأجرأة الخاصة، بملء الجدادات التي تضمن ضبط الآثار انطلاقا من مكان أخذ العينات ثم حملها إلى المختبر، وحتى بعد القيام بالخبرة اللازمة، وإرجاع المحجوز بعدما تم تحليله، جرى في 2016  العمل على إعداد تصور للحفاظ على هذه العينات المأخوذة من مسارح الجريمة، منذ التبليغ باختيار من ينتقل إلى مسرح الجريمة، وتحديد المتدخل الأول والثاني، وصولا إلى العمليات التي يتم القيام بها في مسرح الجريمة، وأخذ العينات ومنحها رمزا خاصا يرافقها طيلة عملية التشخيص، وهو التصور الذي تم تعميمه على مستوى المملكة المغربية.

 التعامل مع العينات

وتابعت المتحدثة ذاتها في تصريحها للجريدة أن المديرية العامة للأمن الوطني جهزت تقنيي مسرح الجريمة، بإخضاعهم لدورات تكوينة وتأهيلهم وتحيين معارفهم من خلال دورات مستمرة.

وأكدت أن المختبر الذي  بني في 1995 /1996 شهد تحولا كبيرا في ما يتعلق بأقسامه ومعداته، وكذلك في ما يخص العامل البشري الذي يعمل به، إذ تم افتتاح مقر جديد للمختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية من طرف المدير العام للأمن الوطني سنة 2021، مشيرة إلى ان هذا المختبر يعد من أكبر المختبرات في إفريقيا،  ويضاهي المختبرات الأوروبية والأمريكية وقد يفوقها في بعض الحالات.

الشرطة العلمية

وتبلغ مساحة هذا المختبر، 8600 متر مربع، مقسمة على أربع منصات تقنية، تضم مر معالجة المياه، والهواء، لأنه يتم التعامل مع مواد كيميائية مضادة والتي يتم تصفيتها قبل انتشارها في الهواء، ويضم 13 غرفة باردة.

ويضم أيضا 5 مصالح، مصلحة الكمياء الجنائية، مصلحة البيولوجية الشرعية، ومصلحة المخدرات، ومصلحة تحديد البصمة الوراثية، ومصلحة التحقيق في الخطوط والتوقيعات، بالإضافة إلى مصالح أخرى تواكب عمل المختبر، منها المتعلقة بالجودة، والمصلحة المعنية بتدبير العينات المأخوذة من مسارح الجريمة.

ويضاهي هذا المختبر، المختبرات العالمية لأنه يتوفر على مواصفات عالية ودولية، مكنته من الحصول على اعتماد 17025 في حلتيه، كانت هناك نموذج أول في 2005 والثاني في 2017، وصنف في المركز الثاني في إفريقيا في ما يخص عمليات استخراج الحمض النووي بعالي الصبيب من العينات المأخوذة من مسارح الجريمة، ناهيك عن منصات خاصة بالتحليل الكيميائي العضوي والمعدني، التي تضمن جودة الخبرة.

الكفاءات البشرية

إلى جانب التقنيات المذكورة، أكدت يحيى أنه لا بد من العنصر البشري، الذي سيشتغل بهاته الإمكانيات، والذين يتم إخضاعهم لدورات تكوينية، ويتم اختيارهم بناء على دراسة معمقة، لمواكبة التطور العلمي والتكنلوجي.

وكشفت المتحدثة أن 75 شخصا يعملون في المختبر، إلى جانب وجود 30 شخصا من المقرر التحاقهم بالمختبر بعد تخرجهم من المعهد العالي للشرطة القضائية.

وعلاوة على ذلك، تعتمد المديرية العامة للأمن الوطني استراتيجية لخلق مختبرات جهوية.

13942 قضية في سنة 2022

وأفادت حكيمة يحيى في تصريحها للجريدة بأن المختبر توصل سنة 2020 بنحو 9900 قضية نظرا للتدابير الاحترازية التي شهدتها المملكة جراء جائحة كورونا، في حين بلغت سنة 2022، 13942 منها 10530 موجهة لإجراء خبرات جينية، في مصلحة البيولوجية الشرعية، التي تعنى بقضايا السرقة والقتل، والاغتصاب، وتحديد هوية جثة.

وزادت أن 3394 قضية منها 994 قضية ذهبت لمصلحة الكميائية الشرعية التي تسخر معداتها في قضايا البحث عن مؤججات الحرائق، وتحليل المواد المجهولة، بينما هناك مصلحة أخرى معنية بالمخدرات وعلم التسمم.

وقالت إن إجراءات تحليل العينات تختلف حسب نوع القضية (طلاق وإرهاب وجرائم أخرى)، لكن طريقة التعامل معها تبقا نفسها.

وانخرط المختبر أيضا في سياق كورونا بتقديم خدماته سواء برصد مصلحة تتبع حالات إصابة موظفين المديرية العامة للأمن الوطني، أو من خلال مواكبة الجائحة تقنيا، فيما يتعلق بالفيروس.

الشرطة العلمية تخصص قديم بالمغرب

من جانبه، قال عبد الرحمان اليوسفي العلوي، مراقب عام رئيس القسم التقني وتدبير المخاطر بمعهد العلوم والأدلة الجنائية، إن الشرطة العلمية والتقنية تخصص قديم على مستوى المديرية العامة للأمن الوطني، فبعد استقلال المغرب في 1956 رصدت مجموعة من التخصصات، التي تعمل في مجال العملة المزيفة، وكذلك الأسلحة والوثائق المزورة، وهي جرائم قديمة.

وأضاف اليوسفي العلوي، في حوار مع جريدة مدار21 ، أنه تم تجميع هذه التخصصات في مختبر الشرطة التقنية الذي انطلق في 1965 على مستوى المديرية العامة للأمن الوطني، مبرزا أنه طور إمكانياته في مجال الخبرة، سواء تلك المتعلقة  بتخصص البصمات أو الوثائق المزورة، أو العملة أو الأسلحة، إلى أن تم افتتاح المختبر الوطني للشرطة العلمية بالدار البيضاء سنة 1995.

توفيق الصايغ

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأحداث الإرهابية التي وقعت بالدار البيضاء سنة 2003، أظهرت عدم وجود كفاءات تواجه هذه العمليات الإرهابية، لذلك تم إعداد برنامج، لتحيين الشرطة التقنية العاملة في الميدان.

وتابع قائلا: “الشرطة التقنية متمثلة في مصالح التشخيص القضائي الموجودة في مختلف ولايات الأمن الجهوية أو الإقليمية، مهامها الانتقال مع ضباط الشرطة لفحص مسرح الجريمة، والقيام بجميع التحريات التقنية لأخذ جميع البصمات، والآثار التي يتركها المجرم في مكان الجريمة”.

تكامل في العمل

اليوسفي العلوي قال إن هؤلاء العاملين في هذا الميدان يتم انتقاؤهم من المعهد الملكي للشرطة، حيث يتلقون تكوينا أكاديميا في مجال تدبير مسرح الجريمة من رفع البصمات والكشف عن الآثار البيولوجية وجمعها بطريقة تقنية وعلمية، باستعمال مجموعة من الإمكانيات التي تكشف عن الآثار التي يتركها المجرم ولو أن المجرم يقوم بإخفائها.

الشرطة العلمية

واسترسل بأن هناك شرطة علمية تشتغل في المختبرات العلمية المؤهلة في جميع التخصصات سواء البيولوجية أو الكميائية أو الفيزيائية، أو المخدرات أو الحرائق أو المتفجرات، أو العملة، والوثائق المزيفة.

في المقابل، يضيف اليوسفي العلوي، يدخل ضمن اختصاص التقنيين، مهمة رفع القياسات وتقديم المعطيات والصور والبصمات الخاصة بذوي السوابق القضائية، الذين يجري اعتقالهم في إطار قضايا إجرامية، حيث يتم أخذ جميع معطياتهم وإرسالها للمديرية العامة للأمن الوطني لتخزينها في قاعدة المعلومات في حالة قيامهم بفعل إجرامي آخر يتم تشخيصهم.

الشرطة العلمية

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الشرطة العلمية مصلحة مكملة للشرطة التقنية، فالأولى تشتغل في الميدان وترسل العينات للشرطة العلمية، التي تقوم بفحصها وتشخيصها،

مبرزا أن الشرطة العلمية تؤدي دورا أساسيا في محاربة الجريمة، من خلال الانتقال مع ضباط الشرطة القضائية في مختلف الجرائم.

وذكر اليوسفي العلوي أنه في 2019 أصبحت الشرطة العلمية والتقنية متدخلا أساسيا في المحضر الجنائي، بداية من مرحلة البحث ثم مرحلة التحقيق ومرحلة الحكم، فهي تقدم أدلة علمية دامغة، فالاعتراف لم يعد سيد الأدلة، إذ حل مكانه الدليل العلمي، الذي من شأنه أن يبرئ شخصا معينا كما يمكن أن يدينه، مشددا على أن الأدلة العلمية تتمتع بمصداقية، مقارنة مع الأدلة الأخرى، لكونها تعتمد على مجموعة من المعطيات العلمية.

خبرة مغربية مطلوبة دوليا

كشف اليوسفي العلوي أن معهد العلوم للأدلة الجنائية يتكون من ثلاثة أقسام ومصلحتين تابعتين لرئيس المعهد، وهي المختبر الوطني للشرطة العلمية بالدار البيضاء، وقسم تقني لتدبير المخاطر الذي يضم أربع مصالح: مصلحة الخبرة على الأسلحة والذخيرة، مصلحة الخبرة على الوثائق والعملة، ومصلحة الخبرة على التوقيع والكتابة، ومصلحة الآثار الرقمية، ى جانب القسم الثالث المتعلق بالتشخيص القضائي، الذي يؤدي دورا أساسيا في القضايا الإجرامية، لأنه يحمل بصمات جميع المواطنين الحاملين للبطائق الوطنية للتعريف.

ولفت إلى أن هناك مصلحة تكوين الكفاءات وتأهيلها، وتقوم بمسايرة التقنيين في مسرح الجريمة أو مصالح التشخيص القضائي، ومصلحة اللوجستيك.

ولأن الجريمة تتطور، قال المتحدث عينه إنهم أصبحوا يعملون بشكل استباقي، من خلال تطوير كفاءاتهم، بعد سنة 2003، حيث توجد 129 مصلحة وحدة للتشخيص القضائي على المستوى الوطني، وكذا أزيد من 700 تقني متخصص في تدبير مسرح الجريمة، ومسايرة جميع أنواع الجرائم، وعلى مستوى المختبرات هناك 240 مختصا.

وأكد اليوسفي العلوي أن المختبر الوطني للشرطة العلمية بالدار البيضاء، الذي دشن سنة 2020، يتوفر على معايير دولية، مساحته 8600 متر مربع، ومجهز بآليات متطورة على المستوى الإفريقي، وهناك معايير احترام الجودة، مضيفا أنه ناحية البنية حافظ على معايير جودته، 17025 التي منحت له 5 سنوات على التوالي، مما جعل مجموعة من الدول تطلب تقاسم التجربة المغربية، والمساهمة في تفكيك جرائم إرهابية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.