“التبخيس والتقشف” الحكومي يتسببّان في خصاص بشري مهول بـ”مندوبية الحليمي”

سجّلت المندوبية السامية للتخطيط عجزا متفاقما في مواردها البشرية بسبب الرواتب المنخفضة لأطرها، مقابل تزايد الطلب الخارجي على خريجي المعاهد العليا التابعين لها، في وقت لا تُدرك الحكومات المتعاقبة بعد الأهمية التي تكتسيها هذه المؤسسة الدستورية المنوط لها تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات.
وتشتكي المندوبية السامية للتخطيط، بحسب ما ورد في المحاور الرئيسية لبرنامج عملها للفترة 2025-2022، عدم تمكن الحكومات في كثير من الأحيان، لسبب أو لآخر، إدراك الأهمية التي يكتسيها تعزيز وظيفة التقييم لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية من طرف مؤسسة مستقلة، ومساهمة ذلك في تحسين أدائها وجاذبيتها حيال الشركاء الدوليين.
ونظرا لارتباطها بميزانية الدولة، أكدت المندوبية السامية للتخطيط، أنها تواجه صعوبات في الحصول على الموارد البشرية اللازمة والكافية لتنفيذ برامج عملها، بالإضافة إلى ذلك، “فإن الرواتب المنخفضة لأطرنا والطلب الخارجي القوي على خريجي معاهدنا العليا (المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي (INSEA) ومدرسة علوم المعلومات (ESI)) كلها عوامل تدفع الأطر المكونة داخل مصالحنا إلى تغيير وجهاتهم نحو منظمات وطنية ودولية أخرى” يؤكد التقرير.
وسجلت المندوبية السامية للتخطيط على مدى السنوات الخمس الماضية، عجزا في التوظيف بلغ 168 منصبا، في الوقت الذي ستبلغ فيه حالات الإحالة على التقاعد بين 2022 و2025، زهاء 472 شخصا.
وفي أفق الإصلاح المؤسساتي الذي دعا إليه الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح البرلمان في شهر أكتوبر 2021، ذكّرت المندوبية بأنها تستمد استقلاليتها المؤسسية من الإرادة الملكية، المتجسدة في بعدين أساسيين، يتعلق الأول بقرار إنشائها والثاني بالدعم المتواصل لتعزيز صمود الموضوعية العلمية لمنتوجها أمام ملابسات الظرفية السياسية والحكومية، مشيرة إلى أنها ستبقى عاقدة العزم على دعم ثقافتها المؤسسية بما تتميز به من تعلق خاص بقيم العلم والحرص على المطابقة الصارمة للمعايير الدولية، وذلك في إطار خدمة تنمية بلادنا.
وأبرز المصدر ذاته أن المندوبية تعتمد النموذج التنموي الجديد كمرجعية استراتيجية لتنزيل وتحليل أهداف التنمية المستدامة في السياق الوطني، حيث شكل البرنامج العالمي لأهداف التنمية المستدامة منذ 2015، في نسخته الأممية والإفريقية، الإطار المرجعي لتقييمها الدوري لإنجازات بلدنا بخصوص أهداف السياسات العمومية المرتقبة، في وقت تشكل أهداف التنمية المستدامة، نموذجًا حقيقيًا للتنمية، بالنظر لمقاربتها المندمجة للاستدامة في ميادين النمو الاقتصادي والرقي الاجتماعي وحماية البيئة.
وتقوم المندوبية السامية للتخطيط ببحوث بنيوية كبرى، ذات طابع اقتصادي واجتماعي، منها ما هو في طور الإعداد ومنها ما دخل حيز الإنجاز، وستتوج بإنجاز الورش الكبير المتعلق بالإحصاء العام للسكان والسكنى، وتغطي هذه البحوث مجموع التراب الوطني بعينات كبيرة بما يكفي من أن تمكننا من تشخيص الوضعية على مستوى الوحدات الإدارية الوجيهة.
ويتعلق الأمر بحسب المذكرة، بالبحث الوطني حول البنيات الاقتصادية، الذي سيوفر بيانات محينة حول الاستثمار والإنتاج والاستهلاك الوسيط للمقاولات، حسب المنتوج وفرع النشاط والمستوى الترابي، وسيمكن من انتقال المحاسبة الوطنية إلى سنة الأساس الجديدة 2022 بدلاً من 2014، إلى جانب البحث حول القطاع غير المنظم، الذي سيمكن من تحديد بشكل أفضل للمجال غير المنظم الذي يخترق جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ومن معرفة دقيقة للآليات الحالية لتوسعه أو الأنماط العملية لإدماجه في المشهد الاقتصادي والاجتماعي، من أجل دراسة أعمق للسبل الكفيلة بامتصاص منتج لتأثيراته.
وتعمل المندوبية أيضا، على البحث حول المؤسسات غير الهادفة للربح ISBL الذي سيوفر معطيات مفصلة حول جمعيات المجتمع المدني ببلدنا من أجل تقييم مساهمتها في خلق الثروة الوطنية ودراسة خصائصها الاجتماعية والاقتصادية.
وبالإضافة إلى ذلك، ستركز البحوث الاجتماعية على البحث حول مستويات معيشة الأسر على مستوى جميع الوحدات الترابية، والذي سيشكل المصدر الرئيسي لمعرفة التوزيع الاجتماعي للدخل، ومستويات الفوارق الاجتماعية وتطور مؤشر الفقر. كما سيوفر قاعدة معطيات موضوعية لتحيين السجل الاجتماعي الموحد.
وستعمل على البحث حول العائلة المغربية، الذي سيمكن من دراسة، على مستوى العائلة، وضعية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الأجيال والنوع الاجتماعي وتطور قيم المجتمع المغربي داخل الوحدة الاجتماعية الأساسية في أبعادها الوطنية والترابية، ثم البحث حول استعمال الزمن بالنسبة للرجال والنساء، الذي سيسمح بجمع البيانات حول أنماط التنظيم والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الأجيال والنوع الاجتماعي وطرق إعادة إنتاجها وقياس البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي في التقسيم الاجتماعي للعمل.
وبخصوص الإحصاء العام للسكان والسكنى، فترى المندوبية، أنه سيتوج هذه البحوث الكبرى وسيمكن من تحيين السكان القانونيين للمغرب وتسليط الضوء بشكل دقيق على البنيات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية للسكان وظروف سكن الأسر/ مؤكدة أن الأشغال التحضيرية لهذه العملية الواسعة النطاق، ولا سيما الأعمال الخرائطية التي تشكل الحلقة الأولى في مسلسل ستتم رقمنته بشكل كامل، انطلقت بالفعل.
ووفقًا لنتائج الدراسة التي أجرتها المندوبية هذه السنة حول التدبير التوقعي للوظائف، تبلغ الحاجيات للمندوبية السامية للتخطيط، في المتوسط، حوالي 90 موظف، برسم نفس الفترة.
وراكمت المندوبية السامية للتخطيط عجزا في الموارد البشرية المؤهلة، سيتفاقم مع حاجياتها من كفاءات جديدة وخبرات دقيقة، ضرورية، سواء، لمواكبة برنامجها المتعلق بالتحديث والتحول الرقمي أو للاستجابة لمتطلبات مهامها الجديدة الخاصة بالتنسيق الاستراتيجي للسياسات العمومية ومواكبة تنفيذ النموذج التنموي الجديد.





