منيب تحذر من خوصصة المؤسسات الاستراتيجية وتطالب بإعادة تشغيل “سامير”

انتقدت نبيلة منيب، النائبة البرلمانية عن مجموعة تحالف اليسار، مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرة أنه لا يتضمن، إجراءات كافية لإحداث التحول المنشود في مجال التنمية والعدالة الاجتماعية، وداعية إلى إصلاح ضريبي شامل، والرفع الفعلي للأجور، ومحاربة الريع والاحتكار والفساد، إلى جانب إعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية والسياسية بما يضمن التوزيع العادل للثروة ويحمي السيادة الوطنية.
وقالت منيب خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب لمناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2027 اليوم الأربعاء إن الأولويات الخمس التي أعلنتها الحكومة، والمتعلقة بالقدرة الشرائية والشباب والتنمية المجالية والسيادة الاستراتيجية وبناء اقتصاد قوي، تحتاج إلى إطار جامع ورؤية واضحة تحددان أثرها المنتظر في حياة المواطنين، مبرزة أن الإجراءات المعلنة، رغم أهميتها في بعض الجوانب، تظل متفرقة ولا تستجيب، في نظرها، لحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
و شددت المتحدثة ذاتها على أن حماية القدرة الشرائية لا يمكن أن تتحقق من خلال تدابير محدودة، بل تستلزم زيادات فعلية في الأجور، وتسقيف أسعار المواد الأساسية، بما فيها الطاقة، إلى جانب إصلاح ضريبي يعيد توزيع الثروة ويخفف العبء عن الأسر ذات الدخل المحدود، داعية إلى فرض الضرائب على الثروات الكبرى وأرباح رأس المال والأرباح الاستثنائية، وخفض الضرائب غير المباشرة المفروضة على الأسر المتواضعة، ومحاربة الغش والتهرب الضريبي، الذي قدرت كلفته على المغرب بنحو 25 مليار درهم، فضلا عن مراجعة الإعفاءات الضريبية غير المستحقة وضمان معاشات كريمة للفئات المتقاعدة.
واعتبرت منيب أن تخصيص 24.2 مليار درهم للحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للمعاش تدريجيا من 1700 إلى 3000 درهم، إلى جانب تحسين استفادة الأرامل من معاشات أزواجهن المتوفين، إجراءات إيجابية، لكنها تساءلت عن مدى قدرتها على تعويض أثر الغلاء وتراجع القدرة الشرائية للأسر، في ظل وجود فئات من المتقاعدين لا تستفيد من أي معاش. وفي هذا الصدد، أكدت الحاجة إلى إرساء نظام حماية اجتماعية شامل وممول من الضرائب، بما يضمن عدم إقصاء أي مواطن من الاستفادة من الحماية الاجتماعية.
وحذرت البرلمانية نفسها من اتساع التحديات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي، مشيرة إلى وجود ثلاثة ملايين شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، وإلى بلوغ معدل البطالة في صفوف الشباب 37.2 في المائة، مقابل 19 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا، وفق الأرقام التي أوردتها في مداخلتها. وانتقدت في هذا الإطار برمجة إحداث 34 ألفا و454 منصبا ماليا خلال سنة 2027، معتبرة أنها لا تستجيب لحجم الخصاص المسجل، خصوصا في قطاعي التعليم والصحة، وداعية إلى ربط التعليم والتكوين بالتشغيل والاستقلال المادي، وإصلاح منظومة التربية والتكوين وتعزيز البحث العلمي واستقلال الجامعة.
كما دعت منيب إلى مراجعة الاختيارات المعتمدة في مجال التنمية المجالية، متسائلة عن المعايير التي ستحدد توزيع الاعتمادات المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والتي قالت إنها تبلغ 25 مليار درهم، إلى جانب تحويل نحو 12 مليار درهم إلى الجهات وتأهيل 24 مركزا قرويا. وشددت على ضرورة توجيه الأولوية إلى المناطق الأكثر خصاصا، ووضع مؤشرات سنوية للتتبع والتقييم، حتى لا تتشتت الموارد المالية في مشاريع متفرقة لا تعالج الأسباب العميقة للتهميش والفوارق الاجتماعية والمجالية.
وفي ما يتعلق بالسيادة الاستراتيجية، أثارت المتحدثة قضايا الأمن الطاقي والغذائي والمائي، داعية إلى دعم الفلاحين والكسابة الصغار، الذين قدرت نسبتهم بنحو 85 في المائة من الفاعلين في القطاع الفلاحي، والاهتمام بالبذور المحلية والبحث العلمي وترشيد استعمال المياه. كما تساءلت عن مستقبل تكرير النفط وإعادة تشغيل مصفاة “سامير”، وانتقدت التوجه نحو الخوصصة وبيع أصول الدولة، محذرة من أن تحويل المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية إلى شركات مساهمة وفتحها أمام الرساميل الخاصة قد يحد من قدرة الدولة على حماية مصالحها الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، أكدت منيب ضرورة الحفاظ على الدور الاستراتيجي للدولة في القطاعات الحيوية، ودعم الإنتاج الوطني والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، معتبرة أن بناء اقتصاد قوي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرته على خلق فرص الشغل وإنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل. وأشارت إلى أن تحالف اليسار يرى إمكانية إحداث 150 ألف منصب شغل من خلال دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدا، و150 ألف منصب إضافي في الوظيفة العمومية، لسد الخصاص في قطاعات من بينها التعليم والصحة والإدارة.
وعلى المستوى السياسي والمؤسساتي، اعتبرت منيب أن الإصلاح الاقتصادي يظل مرتبطا بإصلاح سياسي يضع حدا للريع والاحتكار والفساد، ويعزز استقلال القضاء والفصل بين السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما دعت إلى إرساء تعاقد مجتمعي يفتح آفاق إصلاحات سياسية ودستورية واجتماعية، وإلى تجاوز ما وصفته بمقاربة القمع في التعامل مع المطالب الاجتماعية، مع المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الحراك الشعبي بالريف وجرادة ووجدة، ومعتقلي الرأي والصحافيين، ووضع حد للاعتقال السياسي واستكمال مسار العدالة الانتقالية.
وفي الشأن الدولي، ربطت المتحدثة بين التحولات الجيوسياسية المتسارعة وضرورة تعزيز استقلال القرار الوطني وحماية الموارد والثروات، مجددة رفضها جميع أشكال التطبيع مع إسرائيل، ومجددة التأكيد على دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين وتحرير الأسرى. كما دعت إلى محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، معتبرة أن الدفاع عن القضايا العادلة يقتضي التمسك بالقانون الدولي وحقوق الشعوب.
وخلصت نبيلة منيب إلى أن الأولويات المعلنة في مشروع قانون المالية تحتاج إلى إصلاحات هيكلية تضمن تنمية مستدامة، وتقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحمي القدرة الشرائية وتفتح آفاقا حقيقية أمام الشباب، مع الحفاظ على الثروات الوطنية والتراث والهوية المغربية بمكوناتها المتعددة، مشددة على أن الرهان، من وجهة نظر تحالف اليسار، لا يقتصر على إنتاج الثروة، وإنما يشمل أيضا ضمان توزيع عادل لها داخل دولة ديمقراطية دامجة.





