هشام العسري يهاجم واقع التلفزيون المغربي: أفكار قديمة ومبدعون مهمشون

أعاد المخرج المغربي هشام العسري فتح النقاش حول اختلالات الإنتاج التلفزيوني بالمغرب، مسلطا الضوء على ما يعتبره هيمنة بعض شركات الإنتاج على الصفقات، وغياب تكافؤ الفرص أمام المخرجين والتقنيين، إلى جانب استمرار الاعتماد على صيغ وبرامج لم تعد، بحسب تقديره، تستجيب للتحولات التي يعرفها المشهد السمعي البصري.
ولم يكتف العسري بانتقاد واقع القطاع، بل دعا إلى كسر جدار الصمت بشأن ما يجري خلف الكواليس، معتبرا أن تطوير الدراما المغربية يقتضي مراجعة منظومة الإنتاج، وفتح المجال أمام رؤى فنية مختلفة، لضمان التنوع والارتقاء بجودة الأعمال المقدمة للجمهور.
وأوضح العسري في تصريح لجريدة “مدار21” أن ما دفعه إلى نشر تدوينته الأخيرة، شعوره بازدواجية المعايير في التعامل مع المبدعين المغاربة، مشيرا إلى أنه عندما يصل الفنان إلى مستوى معين من النضج والتجربة في السينما والكتابة والفن التشكيلي، يُنظر إليه باعتباره من المخضرمين في هذه المجالات، في حين يُعامل في التلفزيون كما لو كان مبتدئا، مشيرا إلى أن هذا الوضع يستمر منذ سنوات.
وأضاف أن هذا الإقصاء لا يقتصر عليه وحده، بل يشمل المئات من التقنيين والمخرجين الذين لا يمتلكون الجرأة نفسها للتعبير عن موقفهم، أو يخشون التعرض للانتقام والإقصاء المهني.
واعتبر أن وضعيته تختلف عن وضع كثيرين، لأنه حقق فنيا ما كان يطمح إليه، ولم يعد يخشى خسارة الفرص المهنية بالقدر نفسه، مضيفا، في تعبير عن وضعه الحالي: “أنا حاليا شاد الستون”.
وشدد المخرج المغربي على أن الارتقاء بالعمل السينمائي والتلفزيوني والأدبي يقتضي التحلي بالشجاعة اللازمة لفتح النقاش حول قضايا لا تظهر للعموم، معتبرا أن الصمت قد يعطي الانطباع بأن كل شيء يسير على ما يرام، في حين أن الواقع يستدعي الوقوف عند مكامن الخلل.
وأوضح أنه حاول التطرق إلى الموضوع دون غضب أو اندفاع، مؤكدا أن هدفه لم يكن التصعيد، وإنما تسليط الضوء على الاختلالات التي تشوب منظومة الاشتغال في المجال الفني.
وفي هذا السياق، انتقد العسري الطريقة المعتمدة في تدبير الإنتاج التلفزيوني، معتبرا أنها لم تحقق النتائج المرجوة على مدى عشر سنوات، ومشيرا إلى أن النظام الذي جرى اعتماده خلال عهد حزب العدالة والتنمية لم يحقق، بحسب تقييمه، الإضافة المنتظرة على مستوى التلفزيون المغربي.
وأكد أنه لم يلمس تطورا نوعيا في هذا المجال خلال هذه الفترة، رغم تعطش الجمهور المغربي إلى متابعة أعمال محلية قادرة على استقطابه، مشيرا إلى أن بعض المسلسلات التي وصفها بالفاشلة تحظى بالمتابعة، في ظل غياب البدائل التي تستجيب لتطلعات المشاهدين.
واستحضر العسري برنامج “لالة العروسة”، معتبرا أنه أصبح يشبه المحتوى الذي يعرض على منصة “تيك توك”، ولم يعد، في نظره، يستجيب لحاجات الجمهور الحالية، ما يفرض تجديده والبحث عن صيغ أكثر ابتكارا.
وأشار في السياق ذاته إلى أن انتشار منصات مثل “نتفليكس” و”شاهد” غيّر عادات المشاهدة، في وقت تمكنت فيه دول عربية من تحقيق خطوات متقدمة في المجال السمعي البصري، بينما لا تزال بعض المقترحات في المغرب، بحسب تعبيره، تستند إلى أفكار قديمة ولا تراهن بما يكفي على العمل والإبداع.
وتطرق المخرج إلى ما وصفه بهيمنة بعض شركات الإنتاج على الصفقات المرتبطة بالقنوات العمومية، مؤكدا أنه يفضل عدم الكشف عن أسماء هذه الشركات، لأن غايته ليست استهداف أشخاص بعينهم، وإنما إثارة قضية يرى أنها تستدعي النقاش وإعادة النظر في آليات الاشتغال.
وأكد العسري أن فتح نقاش جدي حول واقع المجال الفني بات ضروريا لتحقيق التغيير وتطوير الإنتاج المغربي، مبرزا أن الفن مجال يمتد أثره لسنوات، ولا ينبغي اختزاله في أعمال استهلاكية ينتهي حضورها بمجرد انتهاء عرضها، داعيا إلى تجاوز منطق الإنتاج السريع والعابر، والتوجه نحو صناعة أعمال فنية حقيقية قادرة على الاستمرار وترك أثر لدى الجمهور.
وبخصوص التداعيات المهنية المحتملة لمواقفه، أقر العسري بأن التعبير بجرأة عن واقع القطاع وضعه في ما وصفه بـ”اللائحة السوداء”، ودفع إلى إقصائه من عدد من الأعمال، لكنه شدد على أنه لا يرغب في تقديم نفسه باعتباره ضحية، أو اللجوء إلى التشكي والتباكي.
وقال: “أنا فنان ومكانتي مهمة في المجتمع”، مستحضرا عددا من أعماله السينمائية، من بينها فيلم “هم الكلاب”، الذي تناول أحداث “عام الكوميرة”، معتبرا أنه يعكس جوانب من الواقع الذي زصل إليه اليوم جيل “زيد” اليوم، في مقابل توجه بعض الإنتاجات نحو تقديم أعمال ترفيهية فحسب.
واعتبر العسري أن الفنان الذي لا يمتلك سلطة أو لا ينخرط في المنظومة التي قال إنها تهيمن على المشهد الفني، غالبا ما يُصنف باعتباره ضعيفا، في حين يرى أن الفنان المستقل يمتلك مساحة أكبر من الحرية في التعبير والجرأة في طرح القضايا.
وأوضح أن أعماله تُصنف ضمن الأعمال السجالية التي تثير النقاش وتخلق الأزمات، لكنه يستمد إحساسه بأهميته من تفاعل الجمهور، إلى جانب التكريمات التي يحظى بها داخل المغرب، معتبرا أن هذه العناصر تشكل مؤشرات على استمرار حضوره الفني وقدرته على التواصل مع المتلقين.
وفي ما يتعلق بغياب تفاعل عدد من الممثلين والمخرجين مع النقاش الدائر حول واقع المجال الفني، رأى العسري أن ذلك قد يعكس خشيتهم من الإقصاء، مؤكدا أنه لا يؤمن بهذا المنطق، وأن جودة أعماله هي التي تفرض حضوره وتسهم في تسويق تجربته، مستشهدا بفيلمه “مروكية حارة”، الذي قال إنه أصبح يحتل المرتبة الأولى على منصة “نتفليكس”.
وشدد العسري بالتأكيد على ضرورة اعتماد نظام الحصص (الكوطا) في الإنتاج الدرامي، لضمان تنوع الرؤى الفنية والمدارس الإخراجية، وفتح المجال أمام تقديم أصناف مختلفة من الأعمال التلفزيونية.
وأشار إلى أن السينما تخضع بدورها لشروط مرتبطة بنظام الكوطا من أجل عبور الأعمال إلى الشاشة الصغيرة، معتبرا أن اعتماد آليات مماثلة في الإنتاج التلفزيوني من شأنه أن يسهم في تحقيق التعددية، وتجديد المضامين، وتوسيع فرص الاشتغال أمام المبدعين، لتمكين المشهد السمعي البصري المغربي من الاستفادة من تجارب فنية متنوعة والاستجابة لانتظارات الجمهور.
وكان المخرج هشام العسري أثار نقاشا واسعا، بتدوينة انتقد فيها ما اعتبره تجاهلا من الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة للمشاريع والأفكار التي يتقدم بها المبدعون، مقابل منح الفرص لشركات الإنتاج نفسها.
وعبر عن رفضه لما وصفه باحتكار الصفقات، منتقدا طريقة اشتغال بعض شركات الإنتاج، وتشغيل تقنيين بأجور زهيدة، وإنتاج أعمال تفتقر، بحسب تعبيره، إلى القيمة الإنتاجية.
ولم يُخف العسري تخوفه من إدراجه ضمن “القائمة السوداء” لدى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، على غرار ما قال إنه حدث معه في القناة الثانية “دوزيم”، لكنه شدد على تمسكه بحريته ورفضه الخضوع لما وصفه بعالم “المافيا والمتسلقين”.





