ثقافة | سياسة | فن

الثقافة في البرامج الانتخابية.. أولوية ضمن الرهانات السياسية أم ملف مؤجل؟

الثقافة في البرامج الانتخابية.. أولوية ضمن الرهانات السياسية أم ملف مؤجل؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تكشف البرامج التي أعلنت عنها الأحزاب السياسية عن تفاوت واضح في حضور الشأن الثقافي والفني ضمن تصوراتها للمرحلة المقبلة، إذ باستثناء بعض أحزاب اليسار التي خصصت للثقافة والفنون حيزا ضمن برامجها الانتخابية، واختارت تقديم عدد من المقترحات المرتبطة بالقطاع، يبدو هذا الملف أقل حضورا في البرامج الحزبية مقارنة بملفات أخرى تحظى باهتمام أكبر، خاصة الاقتصادية والاجتماعية منها.

ولا يتعلق الأمر فقط بحجم المساحة التي تمنحها الأحزاب للثقافة في برامجها، وإنما أيضا بطبيعة التعهدات المقدمة، وانتقالها من عبارات عامة إلى إجراءات محددة تمس مختلف جوانب القطاع، من وضعية الفنانين والمبدعين، إلى الكتاب والنشر، والبنيات الثقافية، والسينما والمسرح، والصناعات الثقافية والإبداعية، إضافة إلى حماية التراث وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الثقافة.

ويعيد هذا الحضور المحدود للشأن الثقافي في عدد من البرامج الانتخابية النقاش بشأن موقع الثقافة ضمن الأولويات السياسية للأحزاب، وما إذا كانت لا تزال تُنظر إليها باعتبارها قطاعا ثانويا مقارنة بالملفات الاجتماعية والاقتصادية، في الوقت الذي تفرض فيه التحولات التي يعرفها المجتمع والقطاع الثقافي والفني إدماجها بشكل أكبر في السياسات والبرامج الحزبية.

اختارت بعض أحزاب اليسار إدراج مجموعة من المقترحات والتعهدات المرتبطة بالثقافة والفنون ضمن برامجها الانتخابية، إذ يتعهد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ضمن برنامجه الانتخابي، بإعادة إحياء قطاع الثقافة وتعزيز بنيته التحتية، إلى جانب دعم الإنتاج الفكري وتحقيق العدالة المجالية الثقافية، من خلال إحداث وتجديد 50 قاعة سينمائية و50 مسرحا بمختلف جهات المملكة.

وفي ما يتعلق بالكتاب والنشر، يَعِد الحزب، في حال فوزه في الانتخابات المقبلة، بدعم إصدار 5000 عنوان سنويا، ورقيا ورقميا، مع تخصيص منح مباشرة للكتاب والأدباء ودور النشر، إضافة إلى إحداث 200 مكتبة عمومية ومكتبات للقرب، مع رقمنة محتوياتها وتوفير الولوج المجاني إليها للطلبة.

ويقترح الاتحاد الاشتراكي رفع ميزانية القطاع الثقافي إلى ما يعادل 1 في المئة من الميزانية العامة للدولة، في خطوة يضعها ضمن تصوراته للنهوض بالقطاع وتعزيز حضوره ضمن السياسات العمومية.

ويعتبر حزب التقدم والاشتراكية الثقافة والفنون حقا كونيا ورافعة للتنمية وركيزة للعيش المشترك، إذ تضمن برنامجه الانتخابي توجهه لتخصيص ميزانية بقيمة 20 مليار درهم لهذا القطاع، إلى جانب مجموعة من الالتزامات الرامية إلى تعزيز حضور الثقافة والفنون في مختلف المجالات.

وفي ما يتعلق بالكتاب والقراءة، يقترح الحزب إقرار إلزامية التربية الفنية في جميع المؤسسات التعليمية، ومضاعفة متوسط زمن القراءة لدى كل مواطن خمس مرات، إلى جانب إقرار القراءة الإلزامية لكتاب واحد كل ثلاثة أشهر داخل المؤسسات التعليمية.

ويتضمن برنامج الحزب، تمكين مليوني أسرة ذات دخل محدود من “قسيمة ثقافية” معفاة من الضرائب بقيمة 1000 درهم سنويا، إلى جانب إقرار يوم “اللباس التقليدي”، ينظم مرة كل شهر، لإبراز مهارات الصناع التقليديين المغاربة وتثمين الفن المغربي.

ومن بين الالتزامات التي تضمنها البرنامج الانتخابي للحزب أيضا، رفع نسبة الإقبال على المواقع الثقافية بنسبة 50 في المئة، وإنشاء 300 مرفق عمومي ثقافي للقرب و100 فضاء ثقافي متعدد الوظائف، إضافة إلى إعادة تأهيل جميع المؤسسات الثقافية المغلقة، ورفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 4 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع إحداث 150 ألف منصب شغل في هذا القطاع.

وفي سياق دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، يتعهد التقدم والاشتراكية بمواكبة 1000 شركة ناشئة في المجال الثقافي من خلال الاحتضان والتمويل، ودعم تصدير المنتجات الثقافية المغربية، إلى جانب إعادة بناء حكامة القطاع الثقافي عبر رفع الموارد المالية المخصصة للثقافة إلى ما يعادل 1 في المئة من إجمالي الإنفاق العمومي.

ويشمل البرنامج الانتخابي للحزب اعتماد قانون بمثابة النظام الأساسي للفنان والمؤلف، وتمكينهما من نظام خاص للحماية الاجتماعية، إلى جانب تكوين 5000 أستاذ في الفنون، ورقمنة وجرد التراث الوطني، مع تسجيل 200 عنصر تراثي إضافي سنويا.

يرى فيه الناقد السينمائي مصطفى الطالب أن الاهتمام الحزبي بالشأن الثقافي والفني ظل، لسنوات طويلة، محدودا، قبل أن يبدأ في التحول خلال الفترة الأخيرة، سواء داخل البرلمان أو في الدوائر السياسية، وإن كان هذا الاهتمام، بحسبه، لا يزال دون المستوى الكافي، في ظل الحاجة إلى رؤية سياسية أكثر شمولا للثقافة والفنون ومختلف القضايا المرتبطة بها.

وقال الطالب في حديث لجريدة “مدار21” إن الأحزاب السياسية لم تكن، لوقت طويل، تولي اهتماما كبيرا بالشأن الثقافي أو الفني بشكل عام، وربما يعود ذلك إلى اعتبار وزارة الثقافة قطاعا مستقلا، على غرار وزارة الخارجية، بحيث تكون للدولة برامج محددة يتولى الوزير تطبيقها وتنزيلها، غير أن الأمور، بحسبه، تغيرت خلال السنوات الأخيرة، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالشأن الثقافي والفني، سواء داخل البرلمان أو في مختلف الدوائر السياسية، وإن كان هذا الاهتمام، في نظره، لا يزال غير كافٍ.

وأوضح الطالب أن حزب الاتحاد الاشتراكي تطرق بدوره إلى الشأن الثقافي والفني، وإن لم يكن ذلك بشكل كبير، مشيرا إلى أنه يتابع البرامج الانتخابية، لكنه يلاحظ، مع الأسف، أن الشأن الثقافي والفني لا يحظى عادة ببرنامج مفصل ومدقق، وإنما يرد ضمن خطوط عريضة لا تكفي لمعالجة مختلف الإشكالات التي يعرفها القطاع.

واعتبر أن استمرار هذا الوضع يساهم في بقاء مشاكل وزارة الثقافة، في وقت تظل فيه الميزانية المخصصة لها محدودة، مؤكدا أن ذلك خطأ، لأن الحزب السياسي يفترض أن يتوفر على رؤية شاملة وبرنامج شمولي يلامس مختلف الإشكاليات التي يعرفها المجتمع، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفني.

وأشار الناقد الفني إلى أن الحزب، عندما يتوفر على كوادر مثقفة، يكون قادرا على تقديم برنامج له علاقة بالشأن الثقافي والفني، بينما يؤدي غياب هذه الكوادر إلى وجود فراغ في هذا المجال، ولذلك، يرى أن من الضروري أن تتوفر كل الأحزاب على كوادر ثقافية ومثقفة تفهم في الشأن الثقافي وتدرك مختلف قضاياه.

وأضاف أن هذا الأمر كان حاضرا بقوة خلال فترة السبعينات وإلى غاية التسعينات من القرن الماضي، حين كانت الأحزاب تضم مجموعة من الأساتذة الجامعيين والمثقفين الذين كانوا يوجهون الحزب، مضيفا أن تلك المرحلة كانت تعرف حضورا قويا للمثقف، وكانت له سلطة داخل المجتمع، بينما لم تعد له اليوم السلطة نفسها التي كان يحظى بها في السابق، إذ جرى تهميش المثقف في المجتمع على حساب السياسي.

وأعرب الطالب عن أمله في أن تحظى الثقافة مستقبلا بالأولوية، بالنظر إلى قدرتها على إحداث تغييرات حقيقية في المجتمع، وأن تقدم الأحزاب السياسية برامج واضحة للشأن الثقافي والفني وما يرتبط بوزارة الثقافة، موضحا أن هذه الأخيرة لا تهتم بالفن فقط، بل ترتبط بالكتاب والإصدارات والجمعيات، إلى جانب مناحٍ أخرى من الشأن الثقافي.

وقال إن الشأن الثقافي في أوروبا يحظى دائما بقيمة كبرى وتخصص له برامج واضحة، خاصة في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، حيث يتم تقدير قيمة الثقافة والفن، ما يستدعي بحسبه، أن ينخرط أهل الفن والثقافة من أجل النهوض بهذا المجال وتعزيز مكانته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News