سياسة

تقرير رسمي يحذر من مخاطر التضليل والهجمات السيبرانية على الشباب ويدعو للإسراع بتفعيل المجلس الاستشاري

تقرير رسمي يحذر من مخاطر التضليل والهجمات السيبرانية على الشباب ويدعو للإسراع بتفعيل المجلس الاستشاري

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن سنة 2025 عرفت بروز تحولات عميقة في أنماط تعبير الشباب المغربي وانخراطه في الشأن العام، معتبرا أن الديناميات الشبابية التي برزت خلال الفترة الأخيرة لم تعد تقتصر على الإشكالات التقليدية المرتبطة بالتشغيل أو التعليم أو الإدماج الاجتماعي، بل أفرزت أشكالا جديدة من التعبئة والمشاركة المواطنة تستوجب إعادة النظر في طرق تفاعل المؤسسات العمومية مع هذه الفئة.

وسجل المجلس، في تقريره السنوي، أن هذه التحولات تفرض اعتماد مقاربة جديدة في السياسات العمومية الموجهة للشباب، تقوم على الإنصات لمختلف أشكال التعبير الجديدة، وإشراكهم الفعلي في إعداد وتنفيذ وتقييم البرامج العمومية، مع الإسراع بإخراج المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي إلى حيز التنفيذ.

وأوضح التقرير أن المجلس خصص خلال السنوات الماضية عددا من آرائه ودراساته لرصد أبرز التحديات التي تواجه الشباب المغربي، خصوصا في مجالات التربية والتكوين، والتشغيل، والصحة، والإدماج الاجتماعي، والمشاركة المواطنة، غير أن التطورات التي شهدتها المملكة خلال سنة 2025 أظهرت، بحسب المجلس، أن المشهد الشبابي يعرف تحولات تتجاوز هذه القضايا التقليدية.

ولفهم هذه الظاهرة، نظم المجلس سلسلة من جلسات الإنصات شارك فيها شباب من خلفيات مختلفة، إلى جانب خبراء في علم الاجتماع والعلوم السياسية، وممثلين عن المجالين الفني والثقافي، فضلا عن فاعلين آخرين معنيين بقضايا الشباب، بهدف استيعاب طبيعة التحولات التي تعرفها أنماط التعبير والالتزام لدى الأجيال الجديدة.

وخلصت هذه اللقاءات إلى أن الشباب المغربي يعيش اليوم في سياق يتسم بتحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية وثقافية وبيئية متسارعة، انعكست بشكل مباشر على طرق تفاعله مع محيطه وعلى أساليب مشاركته في الحياة العامة.

وأشار التقرير إلى أن الارتباط الوثيق للعالم الشبابي بالفضاء الرقمي ساهم في تشكل معايير جيلية مشتركة وفضاءات جديدة للنقاش وتبادل الأفكار، بعيدا عن الأطر التقليدية للتنظيم والتعبئة، كما أفرز أشكالا أفقية وتشاركية من الانخراط تعتمد بشكل متزايد على الوسائط الرقمية، إلى جانب بروز ممارسات ثقافية وفنية تمزج بين الخصوصية المحلية والانفتاح على التأثيرات العالمية.

ويرى المجلس أن هذه التحولات تمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والشباب وفق أساليب أكثر ملاءمة للواقع الجديد، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات متزايدة ترتبط بضعف التفاهم بين بعض الفاعلين المؤسساتيين وفئات من الشباب.

وفي هذا السياق، سجل التقرير وجود تمثلات متبادلة قد تؤدي إلى تنامي مشاعر عدم الفهم أو الإحساس بالوصم لدى بعض الشباب، وهو ما يستدعي، وفق المجلس، تطوير آليات الحوار والتواصل بما يراعي خصوصيات الجيل الجديد وأنماط تواصله.

كما لفت المجلس إلى أن المنصات الرقمية أصبحت تحتل موقعا محوريا في حياة الشباب، الأمر الذي يجعلها، في الوقت نفسه، فضاء يحمل مخاطر متعددة، من بينها الاستغلال والتضليل والهجمات السيبرانية وانتهاك المعطيات الشخصية، فضلا عن تغذية مظاهر الاستقطاب والتوتر داخل الفضاءين العام والرقمي.

ورغم هذه الخلاصات، شدد التقرير على أن الملاحظات الحالية تظل أولية، نظرا إلى محدودية المعطيات الإحصائية والسوسيولوجية المتوفرة بشأن التحولات التي تعرفها التعبيرات الشبابية، معتبرا أن غياب قواعد بيانات شاملة وموثوقة لا يسمح بعد بفهم دقيق لهذه الديناميات الجديدة.

وانطلاقا من ذلك، عاد المجلس للتأكيد على توصيته السابقة بإرساء استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، معتبرا أنها أصبحت أكثر إلحاحا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي.

وأوضح أن هذه الاستراتيجية ينبغي ألا تقتصر على معالجة التحديات البنيوية التي تواجه الشباب، بل يتعين أن تستوعب أيضا الأشكال الجديدة للتعبير والتعبئة والانخراط في الشأن العام، مع اعتمادها إطارا مرجعيا موحدا يضمن انسجام مختلف السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة، وإشراك الشباب في مختلف مراحل إعدادها وتنفيذها وتقييمها.

وفي إطار مواكبة هذه التحولات، أوصى المجلس بمجموعة من التدابير ذات الأولوية، في مقدمتها الإسراع بتفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، مع ملاءمة إطاره القانوني وإشراك الشباب في بنائه، حتى يتحول إلى فضاء مؤسساتي حقيقي للحوار والإنصات وتمثيل مختلف الفئات الشبابية وتطلعاتها وأشكال تعبيرها المستجدة.

كما دعا إلى تعزيز المعرفة العلمية بالتحولات الجارية عبر تسريع إنجاز الدراسات الإحصائية والسوسيولوجية المتعلقة بالتعبيرات الشبابية الجديدة، وتعبئة الجامعات ومراكز البحث والمندوبية السامية للتخطيط لإنتاج معطيات دقيقة تساعد على فهم التنوع في المسارات الاجتماعية والمجالية والرقمية للشباب، بما ينعكس على نجاعة السياسات العمومية.

وأوصى التقرير أيضا بتطوير أساليب التواصل والتحسيس التي تعتمدها المؤسسات العمومية ومنظمات المجتمع المدني، عبر الانفتاح بشكل أكبر على لغات الشباب التعبيرية، ومعاييرهم الاجتماعية، والفضاءات الرقمية التي يرتادونها، وفق مقاربة تقوم على الإنصات والحوار والبناء المشترك، بما يحد من مظاهر الوصم ويعزز الثقة المتبادلة.

وفي الجانب المتعلق بالبنيات الموجهة للشباب، دعا المجلس إلى توسيع شبكة دور الشباب وتسريع تأهيلها، من خلال توفير برامج رياضية وثقافية وفنية وتطوعية تستجيب لأشكال التعبير الجديدة، إلى جانب تجهيزها بوسائل تكنولوجية ورياضية وفنية حديثة، وتعزيزها بموارد بشرية مؤهلة تشمل مستشاري التوجيه والمنشطين والمدربين والأطباء والأخصائيين النفسيين، بما يمكنها من أداء أدوارها في الإنصات للشباب، وتوجيههم، وتنمية مهاراتهم وقدراتهم بما ينسجم مع التحولات المجتمعية والرقمية المتسارعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News