الراسينغ البيضاوي.. من عرش الألقاب إلى ظلمات الهواة

وسط ذهول الشارع الرياضي البيضاوي، ودّع نادي الراسينغ الرياضي البيضاوي “الراك” منافسات البطولة الاحترافية في قسمها الثاني، ليعود مجدداً إلى غياهب قسم الهواة. وجاء هذا الهبوط التاريخي عقب فترة فراغ طاحنة عصف بالفريق، ليُنهي الموسم متذيلاً جدول الترتيب في المركز الأخير، في انتكاسة قاسية لا تليق بسجلّ هذا النادي العريق.
وأتى هذا السقوط المدوي بعد أن غاب “الراك” هذا الموسم عن أجواء المنافسة بشكل غريب، إذ أنهى الموسم برصيد 18 نقطة فقط في المركز الأخير، ليغادر رسمياً سباق البقاء في دوري الدرجة الثانية قبل 5 جولات من نهاية البطولة، وهو ما أثار موجة غضب عارمة لدى جماهير الفريق التي كانت تمني النفس بالعودة إلى قسم الأضواء، قبل أن تُفجع بصدمة الهبوط.
1917.. التأسيس والبذور الأولى
ولا يُعد فريق الراسينغ البيضاوي نادياً عادياً في تاريخ كرة القدم المغربية، بل هو أحد أقدم الأندية الوطنية، حيث يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1917، مما يجعله واحداً من أكبر المعمرين في المشهد الرياضي بالمملكة.
ونشأ النادي في بيئة رياضية احتضنت ألعاباً متعددة، إذ لم يقتصر حضوره على فرع كرة القدم، بل سجل حضوراً قوياً في فروع كرة السلة وكرة اليد وغيرها من الرياضات التي عكست تألقه، وإن ظل فرع كرة القدم هو الأكثر جذباً للأضواء، ليتحول مع الوقت إلى الواجهة الرئيسية للجمعية الرياضية البيضاوية.
ومنذ تأسيسه، شكل “الراك” إلى جانب أندية أخرى خزان الممارسة الكروية بالبيضاء، حيث ساهم في تأطير الشغوفين باللعبة داخل أحياء الدار البيضاء التاريخية، ليكون حاضناً لمواهب مبكرة صنعت أسطورة النادي.
وظل استقطابه للمواهب الشابة من مختلف أحياء العاصمة الاقتصادية السمة الأبرز للفريق الذي سريعا إلى مشتل حقيقي وفرصة لأبناء الدار البيضاء الذين رأوا فيه مدرسة قادرة على صقل مواهبهم وتحقيق أحلامهم.
الحقبة الذهبية.. التتويج باللقب التاريخي
وشهدت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الفترة الأزهى في تاريخ نادي الراسينغ البيضاوي، حيث استطاع الفريق أن يبصم على حضور قوي في الدوري المغربي الممتاز، بفضل تركيبة بشرية ضمت خيرة النجوم، تقدمهم أحمد أبو علي، عبد الحق رزق الله ومحمد زويتة.
ويُشار إلى أن نادي الراسينغ البيضاوي يمتلك سجلاً تاريخياً حافلاً بالألقاب؛ إذ تتوج خزينته بـ 3 ألقاب في البطولة الوطنية بالقسم الأول (سنوات 1945، 1954، و1972)، إلى جانب وصافة الدوري في 9 مناسبات سابقة.
وقد نجح “الراك” في الظفر بـ كأس المغرب التي تحولت فيما بعد إلى كأس العرش في مناسبتين، الأولى سنة 1935، والثانية سنة 1968 على حساب فريق الرجاء الرياضي بنتيجة (1-0)، مع وصوله إلى النهائي في عامي 1962 و1965.
وعلى صعيد الكؤوس المحلية التاريخية، حصد “الراك” كأس افتتاح الموسم 3 مرات (1942، 1945، و1954)، وكأس “الجيل” أو بطولة السوبر المغربي عام 1954، إضافة إلى كأس النخبة المغربية عام 1949، وكأس رابطة الشاوية مرتين (1941 و1944).
ولم يقتصر حضور “الراك” على الصعيد المحلي، بل عرف اسمه حضوراً لافتاً على المستوى الإقليمي والقاري؛ إذ نجح الفريق في بلوغ نصف نهائي بطولة شمال إفريقيا عام 1954، ونهائي كأس شمال إفريقيا عام 1952، فضلاً عن بلوغه نهائي كأس الصداقة المغاربية مرتين (1948 و1952).
“الراك”.. المشتل الأول للمواهب
وعلى مدار سنوات، لم يقتصر دور الراسينغ البيضاوي على حصد الألقاب، بل عُرف تاريخياً بكونه مشتلاً حقيقياً لتفريخ المواهب وتصديرها للأندية الكبرى والمنتخبات الوطنية، حيث تخرجت من مدرسة “الراك” أجيال من اللاعبين والمدربين الذين أثروا الساحة الرياضية.
وارتبط اسم النادي في العقود الأخيرة بشخصية رياضية بارزة شكلت علامة فارقة في تاريخه الحديث، وهو الإطار الوطني عبد الحق رزق الله والمعروف بـ “المندوزا”، الذي جمع لسنوات طويلة بين الرئاسة والتدريب، ليحافظ على استقرار النادي وهويته وسط أزمات المادة وتقلبات الميركاتو.
ورغم سقوط الفريق إلى أقسام الهواة، لا تزال مدرسة “الراك” القابعة بين قطبي الدار البيضاء واحدة من أبرز المدارس الكروية التي تواصل كل موسم تقديم طينة من النجوم لمختلف أندية البطولة الاحترافية، ليظل هذا النادي شاهداً حياً على تحولات كرة القدم المغربية، من هواية الرعيل الأول إلى زمن الاحتراف، ورمزاً لأصالة الكرة البيضاوية التي لا تموت.





