رياضة

النادي القنيطري.. بين الإفلات من شبح الهواة وأمجاد العصر الذهبي

النادي القنيطري.. بين الإفلات من شبح الهواة وأمجاد العصر الذهبي

نجح النادي الرياضي القنيطري في تأمين بقائه بالدوري المغربي للدرجة الثانية بشق الأنفس، عقب فوزه على الجمعية الرياضية المنصورية في مباراة السد، ليفلت في الأنفاس الأخيرة من شبح السقوط مجدداً إلى غياهب دوري الهواة.

غير أن هذا “الهروب القيصري” من الهبوط لا يُعبر بأي حال من الأحوال عن واقع وأصل هذا الكيان الكروي العريق، الذي لا يزال يتخبط في أزمات تسييرية وهيكلية معقدة، حرمت سفير عاصمة الغرب من استعادة مجده الغابر ومكانه الطبيعي بين كبار أندية البطولة الاحترافية.

فبين مرارة الحاضر وأزماته، تقف ذاكرة الكرة المغربية شاهدة على نادي القنيطرة كواحد من أعتى القلاع الكروية التي أثثت المشهد الرياضي بالمملكة، وشكلت خزاناً لا ينضب للمواهب والأسماء التي أثرت سجلات المنتخب الوطني عبر التاريخ.

فريق عريق وحضور وازن

وتعود جذور هذا الصرح الرياضي الذي يمثل مدينة القنيطرة إلى سنة 1938، وبالضبط في فترة الحماية، حيث تشكل في بداياته من لاعبين مغاربة جمعهم الشغف الكروي والحس الوطني، قبل أن يتحدو برأسة الصديق المكينسي وعبد القادر سباي ليحولو هذا الفريق الهاوي إلى نادٍ احترافي منطوٍ تحت لواء العصبة الاحترافية.

وانخرط الفريق مباشرة بعد الاستقلال في البطولة الوطنية، وتحديداً في الموسم الرياضي 1956-1957، ليعلن عن نفسه سريعاً كقوة كروية صاعدة، ويفتح صفحة مرصعة بالألقاب؛ افتتحها عام 1960 بإحراز أول ألقابه بحصده درع البطولة الوطنية.

ليتبعه في العام الموالي 1961 بتتويج تاريخي بلقب كأس العرش، وهي أول كأس ترأس نهايتها الملك الراحل الحسن الثاني، لتنطلق بعدها رحلة التوهج والتألق، خاصة بعدما أنشأ النادي مدرسته الكروية الخاصة لتأطير أبناء المدينة والمواهب الواعدة التي صنعت المجد في العقود اللاحقة.

وقد بصم “الكاك” على حضور وازن ومؤثر في خريطة الكرة الوطنية خلال العقود التالية؛ حيث توج بلقب البطولة الوطنية أربع مرات في سنوات 1960 و1973 و1981 و1982، كما حل وصيفاً للبطل في موسمي 1979 و1985.

ورغم عدم تحقيقه لقب كأس العرش إلا في مناسبة وحيدة سنة 1961، إلا أنه ظل من أبرز الأسماء الحاضرة في هذه المنافسة الغالية؛ إذ تمكن من بلوغ المباراة النهائية في ثلاث مناسبات أخرى سنوات 1969 و1976 و1991، مؤكداً قيمته وثباته في منصات التتويج المحلية.

تألق قاري وأرقام قياسية

ولم يقف طموح النادي القنيطري عند الحدود الوطنية، بل امتد ليزين خزينته بإنجازات دولية وإقليمية فريدة لم يسبقه إليها أي فريق مغربي آخر، فقد كان “الكاك” أول فريق مغربي يصل إلى ربع نهائي كأس أفريقيا للأندية البطلة في موسمي 1982-1983 و1983-1984، كما نال المركز الثاني في بطولة الأندية العربية بالسعودية سنة 1983.

وعلى الصعيد الدولي، توج الفريق بدوري كندا سنة 1980، وفاز بدوري الأمن الوطني سنة 1981 عقب تفوقه على نادي “سلتيك غلاسكو” الإسكتلندي بطل أوروبا في ذلك الموسم، فضلاً عن تتويجه بدوري مولاي إسماعيل سنة 2002، وكونه أول نادٍ عربي يستضيف فريقاً أجنبياً عملاقاً بحجم بايرن ميونخ الألماني.

وإلى جانب الألقاب، ينفرد النادي القنيطري بأرقام قياسية استثنائية عصية على التكسير في أرشيف البطولة الوطنية؛ إذ يظل مهاجمه الأسطوري محمد البوساتي الهداف التاريخي للدوري المغربي عبر التاريخ برصيد 27 هدفاً سجلها في موسم 1981-1982، وهو رقم قياسي صامد منذ أكثر من أربعة عقود، عجز بن جديدة عن كسره في هذا الموسم.

كما يُعد “الكاك” الفريق الوحيد في تاريخ الكرة الوطنية الذي أنهى الموسم الرياضي برصيد 90 نقطة في نفس الموسم الذهبي 1981-1982، وهو رصيد رقمي لم يبلغه أي نادٍ آخر حتى الآن.

قاعدة جماهيرية استثنائية ومطالب بالإصلاح

وفي مقابل هذه الإنجازات الرياضية الكبيرة والإرث التاريخي العريق، يبرز الجمهور القنيطري كواحد من أهم مقومات هذا الفريق، إذ رغم التراجع للدرجة الثانية، ظلت هذه الجماهير وفية لفريقها لتنصب نفسها كرمز للوفاء والإنتماء.

وكان لهذه المجموعة التي تأسست سنة 2007 والتي استوحت اسمها من إحدى النباتات الشهيرة بمدينة القنيطرة “حلالة” فضل كبير على هذا الفريق، كما كان لها دور فعال ورئيسي في إرساء ونشر ثقافة “الأولتراس” في المغرب، لتؤكد على أن حب كرة القدم لا يقتصر فقط على مدينتي الدارالبيضاء والرباط.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير التي لعبته هذه الجماهير الوفية في بقاء النادي القنيطري هذا الموسم بالدرجة الثانية، حيث إنها ومنذ انطلاق الموسم ظلت تدعم الفريق، رغم ما حققه من نتائج سلبية.

وفي المقابل،ورغم سعادتها بعدم الهبوط لا تزال الجماهير القنيطرية تطالب بتصحيح مسار النادي، موجهة في الوقت ذاته أصابع الاتهام نحو المكتب المسير ورئيسه حكيم دومو، حيث ترى الجماهير أن رحيله سيكون أولى خطوات الإصلاح الشامل.

وفي هذا السياق، أصدر الفصيل المساند للنادي القنيطري بلاغاً شديد اللهجة، حمل فيه الإدارة الحالية مسؤولية العودة إلى القسم الثاني وتراجع صورة النادي بسبب غياب الاستراتيجيات، معتبراً أن الشعارات التي ترفعها الإدارة لا تخدم مصلحة الكاك.

وعبر الفصيل ذاته عن قلقه الشديد من الوضع المالي للنادي، بعد صرف أزيد من مليارين في الموسم الماضي، مع توقعات بتجاوز المصاريف عتبة ستة مليارات بعد مباراة السد، وفق البلاغ.

وطالبت المجموعة عامل إقليم القنيطرة بالتدخل الفوري لإنقاذ الفريق من مخاطر الهبوط إلى أقسام الهواة، وتوفير الدعم اللازم، مع إيجاد صيغة لتدبير المرحلة المقبلة بعيداً عن “كواليس المنخرطين”، مع دعوة كل الجماهير والفعاليات القنيطرية إلى الالتفاف حول الفريق والوقوف خلفه.

ويبقى تأمين البقاء في الدرجة الثانية بالنسبة للجماهير القنيطرية مجرد استراحة وفرصة لالتقاط الأنفاس؛ فالجماهير الخضراء الوفية تدرك أن المكان الطبيعي لـ”الكاك” هو قسم الصفوة والمنافسة على الألقاب، وهو ما يتطلب الخروج من هذا النفق المظلم، والقيام بإعادة هيكلة شاملة، وضخ دماء جديدة في التسيير، وتضافر جهود كل المكونات القنيطرية لاستعادة بريق مدرسة أثثت تاريخ الكرة الوطنية بأمجاد لا تُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News