سياسة

معركة تكسير العظام بين “الأحرار” و”البام”.. هل يقتنص “الاستقلال” الفرصة للصدارة؟

معركة تكسير العظام بين “الأحرار” و”البام”.. هل يقتنص “الاستقلال” الفرصة للصدارة؟

يبدو أن عقد الوفاق بين أحزاب الأغلبية قد انفرط قبل شهرين من تسليم الحكومة مفاتيحها لصناديق الاقتراع. إذ دخلت “معركة تكسير العظام”، بين حِزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، مراحل متقدمة قوامها الاستنزاف البشري واستقطاب وجوه مثلت ثقلاً انتخابياً وازناً لهذا الحزب أو ذاك. وبين الاثنين، تُطرَح تساؤلات بشأن موقع القوة الثالثة في الأغلبية، “حزب الاستقلال”، وهل يكون اختار موقف “الترقب واغتنام الفرص” لعله يخرج أكبر الفائزين من إنهاك (حليفيه)؟

اشتعل الصراع بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، إذ لا يُخفي الحزبان طموحهما لتصدر المشهد بعد شتنبر 2026، وفي سبيل ذلك كل التحركات مشروعة، حتى تلك التي تضر وتضعف حليف الأمس.

بلغت هذه التحركات حد الاستنزاف الداخلي؛ إذ يقوم حزب “البام”، خصوصاً، بضم رؤساء مجالس إقليمية وبرلمانيين كانوا ينتمون لحزب “الحمامة” ويمثلون ثقله الانتخابي، ضارباً عصفورين بحجر واحد؛ تقوية موقفه وإضعاف أبرز منافسيه.

غير أن الحزبين لم يكونا ليشكلا الحكومة الحالية بدون “قوة ثالثة” لا يُستهان بها، يتعلق الأمر بحزب الاستقلال، الذي وكأنه اختار الحياد الصامت، والترقب، وانتظار ما ستسفر عنه العاصفة، لعله يخرج من تطاحن حليفيه أكبر الفائزين.

قبل الخوض في مدى قدرة الاستقلال على استغلال الصراع المحتدم بين حليفيه في الحكومة الحالية، سيَكون من المنطقي أولاً طرح السؤال حول واقع الحزب الداخلي، ومقدرته على المنافسة جدياً على مراكز متقدمة بغض النظر عن طبيعة المنافسين.

في هذا السياق يقول المحلل السياسي، عبد السلام شادي البرّاق، لـ”مدار21″ إنه لا يمكن قراءة حظوظ حزب الاستقلال في أفق الاستحقاقات التشريعية لـ 23 سبتمبر 2026 بمعزل عن إرثه المرجعي كأقدم الهيئات السياسية في تاريخ المغرب الحديث.

واعتبر البراق أن هذا الإرث يواجه اليوم محكا بنيويا وتحديا أخلاقيا يرتبط بمدى قدرة القيادة المركزية على تطهير بيتها الداخلي وحماية “الكتلة الناخبة الصلبة” في خضم شروط سياسية بالغة التعقيد. فحزب “الميزان”، الذي حقق طفرة نوعية في اقتراع 2021 باحتلاله المرتبة الثالثة بـ81 مقعدا برلمانيا، يجد نفسه اليوم تحت مجهر الرأي العام ومقصلة التوجهات الملكية الصارمة الرامية الى “تخليق الحياة السياسية”.

ويكمن الاختبار الحقيقي للحزب في مدى شجاعته على إشهار فيتو حاسم، عبر “لجنة الأخلاقيات والسلوك”، لإبعاد “أعيان الانتخابات” والوجوه التقليدية المتورطة في شبهات الفساد المالي او تلك المتابعة أمام محاكم جرائم الأموال وفقا للمتحدث ذاته.

غير أن التحدي الأكثر تعقيدا الذي يجابه الحزب يظل هو كبح تغلغل ظاهرة “التوريث العائلي والسياسي” ونفوذ “العائلات الاستقلالية النافذة” التي احتكرت التزكيات والمناصب القيادية لجيلين، وهي هندسة تنظيمية باتت تثير تذمر القواعد الحزبية والشبابية وتعيق صعود الكفاءات الجديدة؛ مما يجعل قرار التخليص الحتمي للحزب من “لوائح الفساد” وشبكات “الاقطاع العائلي” شرطا وجوديا استباقيا لتحصين لوائح الحزب من شظايا العزل والمتابعات القضائية، وتقديم نفسه كإطار نظيف ومجدَّد النخب وجاهز لقيادة مغرب ما بعد 2026.

في المقابل، يُواجه حزب الاستقلال تحديا وجوديا يقوض من فرضيات تصدره المطلق للمشهد، ويتمثل في الارتدادات العنيفة لعمليات “الاستقطاب المعاكس” التي ضربت عمقه الجيوسياسي التقليدي ودوائره المغلقة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

ذلك أن “الانتقال الجماعي المدوي لقيادات من العيار الثقيل، وفي مقدمتهم الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، بمعية برلمانيين ومنتخبين محليين، صوب حزب الأصالة والمعاصرة، لا يمثل مجرد خسارة عددية عابرة، بل هو زلزال حقيقي يهدد الحصن التاريخي للاستقلال في الصحراء المغربية” يضيف البرّاق.

هذا التحول التكتيكي يضع القيادة المركزية أمام حتمية تاريخية لـ “إعادة الانتشار الاستراتيجي”؛ اذ لم يعد مقبولا الارتكان الفج إلى الولاءات الكلاسيكية القائمة حصرا على النفوذ الرمزي والمالي للأشخاص، وفقاً للمتحدث ذاته.

واعتبر البراق أن الرهان الحقيقي للاستقلال اليوم يكمن في تسريع القطيعة مع مفهوم “حزب الاعيان” الذي يستمد قوته من التوازنات القبلية والمالية، والتحول الجذري نحو بناء “حزب النخب والكفاءات” المتسلحة بالمعرفة والقدرة على التدبير التنموي الحديث.

أما بخصوص فرضية استفادة حزب الاستقلال من حرب “تكسير العظام” المحمومة والمشتعلة في الساحة السياسية، فيرى المحلل السياسي أن القراءة البراغماتية المتأنية تبطل الأطروحة الكلاسيكية التي تقترح أن الحزب سيكتفي بدور المتفرج المستفيد، أو أنه سيعتلي كرسي الملاحظ ليرقب بدم بارد إنهاك حليفيه اللدودين في التحالف الحكومي (الأحرار والبام) لبعضهما البعض في بورصة طحن النخب والوجوه الانتخابية.

ذلك أن الاستقلال، يضيف البرّاق، ليس بمعزل عن هذا التدافع الشرس أو في منأى عن شظاياه، “بل هو ضلع مباشر، فاعل ومستهدف، في مواجهة ميدانية طاحنة وثلاثية الأبعاد لا ترحم ولا تؤمن بالصداقات السياسية المؤقتة”.

وقال المحلل إنه بينما تحاول الماكينة التنظيمية والمالية الضخمة للتجمع الوطني للأحرار الدفاع بكل شراسة عن رئاسة الحكومة لولاية ثانية في محطة 23 سبتمبر 2026، مستندة إلى مكتسبات التدبير المالي العمومي، وسيطرتها شبه المطلقة على غالبية “الانتخابات الجزئية التشريعية والمحلية” الأخيرة التي جرت في عدة أقاليم، يقود حزب الأصالة والمعاصرة من جانبه هجوما كاسحا وإعادة انتشار هجومية لحصد الأعيان، لم ينج منها الاستقلال في حصنه بالجنوب، ولم يسلم منها الأحرار في الشمال عبر الاستقطاب المدوي لبرلمانيين ومنتخبين وازنين بـ دائرتي تطوان والعرائش.

هذا التدافع العنيف يوضح أن استراتيجية تفكيك القواعد وسحب البساط الانتخابي تمس الركائز الترابية للأحزاب الثلاثة معا؛ وفي هذا المناخ المحموم والمضطرب، تسقط نهائيا فرضية الحياد التكتيكي أو الانتظارية الباردة، ويصبح حزب الاستقلال مجبرا على النزول بكل ثقله التنظيمي ومقاصده البراغماتية الى ساحة المعركة، ليس فقط كطامح للصدارة، بل كمدافع مستميت لحماية دوائره الانتخابية الحيوية و “مربعات نفوذه التاريخية” من خطر الاندثار والابتلاع من طرف حلفائه.

وخلص الخبير إلى أن كل المناورات التكتيكية والترتيبات التنظيمية لحزب الاستقلال ستبقى بلا قيمة، ما لم تمتلك قيادته الشجاعة السياسية لإنهاء ازمة الثقة العميقة مع المواطن المغربي. فـ”الرهان على أعيان الانتخابات لجمع المقاعد في محطة 23 سبتمبر 2026 لن يمنح الحزب الشرعية الشعبية، بل سيعمق عزوف الكتلة الناخبة والمقاطعين”.

واعتبر أن زمن الرمادية وازدواجية الخطاب قد انتهيا؛ إذ لا يمكن للحزب ان يجلس في المقاعد الحكومية للدفاع عن الحصيلة، ثم يرتدي قبعة المعارضة في اللقاءات الشعبية هربا من كلفة التدبير الاجتماعي الصعب.

“استمرار حزب “الميزان” كقوة سياسية وازنة يفرض عليه اليوم التسلح بمواقف حاسمة وواضحة في القضايا الاقتصادية والمجتمعية الكبرى، وتقديم نخب وكفاءات فكرية حقيقية قادرة على تلبية انتظارات مغرب 2030، وبدون هذا الموقف الصريح، سيتعرض الحزب للفشل في مصالحة الشارع، ويتحول إلى مجرد رقم تكميلي في بورصة التحالفات القادمة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News