اقتصاد

الغلاء واستنزاف الثروة السمكية.. هل تنقذ تربية الأحياء المائية الموقف؟

الغلاء واستنزاف الثروة السمكية.. هل تنقذ تربية الأحياء المائية الموقف؟

بين غلاء أسعار الأسماك في الآونة الأخيرة، وفشل السياسات الترقيعية في إنقاذ القدرة الشرائية للمغاربة، والمخاطر المُتزايدة من استنزاف الثروة السمكية الوطنية… وقع قطاع الصيد البحري المغربي ضمن كماشة تهدد استدامته، ما يطرح تساؤلات قلقة حول نجاعة الحلول المقترحة في هذا الصدد، وفي مقدمتها تشجيع قطاع تربية الأحياء المائية.

وفي هذا الصدد، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، عبد الكبير كميلي، أن قطاع الصيد البحري المغربي مرتهن بشكل كبير لتقلبات السوق الدولية، ويرجع ذلك أولاً إلى توجهه نحو التصدير، وكذلك إلى اعتماده على تكاليف الطاقة، خاصة في الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصيد بالأعالي وصيد رأسيات الأرجل.

وأوضح الخبير، في بحث صادر ضمن سلسلة مقالات “دليل أكسفورد للاقتصاد المغربي”، تحت عنوان “قطاع الصيد البحري بالمغرب والتنمية المستدامة”، أن المملكة لا تستطيع التأثير في الأسعار على المستوى الدولي، لكنها في المقابل قادرة على التدخل من خلال السياسات العمومية، وتنويع الأسواق، وخاصة عبر استراتيجيات خلق القيمة المضافة.

وفي هذا السياق، أبرز كميلي أنه يمكن تعبئة عدة آليات لتعزيز صمود القطاع، تتمثل إحداها في تطوير تربية الأحياء المائية المستدامة، التي تتيح إنتاجاً قابلاً للتخطيط والتوقع، مما يساعد على تأمين جزء من العرض؛ “تمثل تربية الأحياء المائية فرصة مهمة للمغرب لتجاوز إشكالات القطاع لأنها تساهم في تقليص الضغط على الثروة السمكية الطبيعية، كما تسمح بتنويع مصادر إنتاج المنتجات البحرية” وفقاً للباحث.

غير أن تحقيق الاستدامة في هذا المجال يقتضي توفر مجموعة من الشروط، أولها بيئي؛ “إذ من الضروري الحد من التلوث والحفاظ على النظم البيئية من خلال تخطيط ملائم للمشاريع والمواقع، أما الشرط الثاني فيتعلق بإنتاج أعلاف تربية الأحياء المائية، ذلك أن الأعلاف المعتمدة على دقيق السمك أو زيت السمك المستخرجين من المصايد الطبيعية قد تمارس ضغطاً غير مباشر على الثروة السمكية”.

أما الشرط الثالث، وفقاً لكميلي، فهو اجتماعي واقتصادي، ذلك أن تربية الأحياء المائية يجب أن تساهم في خلق الثروة والقيمة المضافة، وتوفير فرص الشغل، وأن تندمج بشكل فعّال داخل المجالات الترابية التي تحتضنها.

كما يُعد الأمن الغذائي بدوره عنصراً لا غنى عنه لنجاح الاستراتيجية، إذ “ينبغي أن يوفر هذا النشاط منتجات ذات جودة عالية للسوق الوطنية، وإلا فلن يكون قادراً على الاستمرار على المدى الطويل” مضيفاً أن وجود إطار مؤسساتي قوي وقائم على تنظيم واضح، ومتابعة علمية دقيقة، واستثمارات في البحث والتطوير، يظل أمراً بالغ الأهمية.

ومع ذلك، خلص الخبير إلى أن تربية الأحياء المائية يمكن أن تخفف الضغط على المخزونات الطبيعية، بيد أنه لا يمكن اعتبارها حلاً كاملاً بل مكملاً؛ “فهي ليست بديلاً عن التدبير المسؤول والمستدام لمصايد الأسماك الطبيعية”.

وأضاف، من جهة ثانية، أنه إذا لم يتم تأطير تربية الأحياء المائية وتنظيمها بشكل جيد، فقد تتسبب في مشكلات وآثار بيئية سلبية؛ و”لهذا فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تطوير تربية أحياء مائية مستدامة قائمة على العلم، والحكامة الجيدة، والابتكار، وليس على التوسع بأي ثمن”، مضيفاً أنه، بشكل عام، يمكن القول إن تربية الأحياء المائية تمثل رافعة مهمة للقطاع البحري، شريطة أن تندرج ضمن مقاربة شاملة ومنسجمة.

وشدد على أنه من الضروري تعزيز قدرات الاستشراف لدى المسؤولين عن تدبير القطاع من خلال استخدام نماذج بيولوجية-اقتصادية متطورة قادرة على بناء سيناريوهات محتملة لتطور الأوضاع، بما يتيح التكيف بشكل أفضل مع التحولات المستقبلية للأسواق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News