كيف خفّف المغرب وقع عجز الميزان التجاري على توازناته الاقتصادية؟

يعاني المغرب من عجز تجاري مزمن ومستمر منذ عدة عقود، ومع ذلك، لم يشهد أبداً أزمة في سعر الصرف، ولم يضطر إلى اللجوء بشكل استعجالي إلى صندوق النقد الدولي، كما لم يفقد إمكانية الولوج إلى الأسواق المالية الدولية… “شبه معجزة اقتصادية” تُفسّر بكلمتي سر: “السياحة” و”تحويلات مغاربة العالم”.
وعلى العكس من ذلك، يتمتع المغرب بصورة إيجابية لدى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، يُستدل على ذلك بأنه لا يزال يحظى بإمكانية الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وبشروط تمويل مواتية جداً مقارنة بالعديد من البلدان الناشئة الأخرى.
ومن هنا انطلق السؤال الرئيسي لمقال علمي حديث صادر ضمن كتاب “دليل أكسفورد للاقتصاد المغربي”؛ لمؤلفه الخبير الاقتصادي بـ”مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد”، بدر منظري؛ ومفاده: كيف يمكن للمغرب أن يسجل عجزاً تجارياً مرتفعاً بلغ في المتوسط 17% من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة ما بين 2000 و2024، ومع ذلك ينجح في الحفاظ على قدر من الصمود والاستقرار في توازناته الخارجية، مقارنة بدول أخرى لم تتمكن من امتصاص الصدمات التي تعرضت لها؟
بداية العجز مع اختيار “الانفتاح الاقتصادي”
لفهم الظاهرة، اختار الخبير تحليل القطاع الخارجي للمغرب من خلال ميزان المدفوعات، والخلاصة الأساسية التي توصل إليها هي كون المغرب بنى تدريجياً منظومة من عوامل الصمود والمرونة؛ “صحيح أنها ليست مثالية ولا تخلو من نقاط ضعف، لكنها أثبتت قدرتها على مواجهة صدمات لم تتمكن اقتصادات أخرى مماثلة من استيعابها بالقدر نفسه من النجاح” يؤكد منظري.
وبالعودة لأسباب العجز التجاري، أوضح الخبير ذاته أن أولها هو اختيار المغرب، منذ بداية التسعينيات، نهج سياسة “الانفتاح الاقتصادي” من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وإبرام اتفاقيات متعددة للتبادل الحر، والتفكيك التدريجي للحواجز الجمركية، إضافة إلى برامج الخوصصة التي ساهمت في استقطاب المستثمرين الدوليين.
وقد سمح هذا الانفتاح للمغرب برفع درجة اندماجه في الاقتصاد العالمي بوتيرة أسرع من العديد من الدول الأخرى، غير أن لهذا الخيار كلفة تمثلت في نمو الواردات بوتيرة أسرع من نمو الصادرات، فقد ارتفعت الواردات بمعدل يفوق نمو الاقتصاد نفسه بمرتين تقريباً.
وبمعنى آخر، وفقا للمقال العلمي، سبق الانفتاح التجاري بناء قاعدة تصديرية قوية بما يكفي لتعويض آثاره، وكانت النتيجة الطبيعية هي نمو الواردات بوتيرة تفوق نمو الصادرات.
أما السبب الثاني فيرتبط بالتبعية الطاقية، فحوالي 95% من استهلاك المغرب من المحروقات مستورد، كما أن المحروقات والطاقة عموماً تساهم بنحو 50% من العجز التجاري، ما يجعلها من أعمق الأسباب الهيكلية لهذا العجز.
من جانبه، يكمن السبب الثالث في نموذج النمو الاقتصادي المغربي نفسه، وهو نموذج يعتمد بشكل كبير على الواردات؛ “فعندما يشهد الاقتصاد نمواً جيداً ويزداد الاستهلاك والاستثمار، ترتفع الواردات تلقائياً، وبالتالي يحدث تسرب مهم نحو الخارج، لأن جزءاً كبيراً من الطلب الداخلي يتم تلبيته عبر المنتجات المستوردة”.
آليات لامتصاص الصدمة
هذه العناصر الثلاثة تفسر جانباً كبيراً من العجز التجاري، لكن هناك في المقابل آليات تمتص هذا العجز ضمن ميزان المدفوعات، يضيف الخبير، أولها عائدات القطاع السياحي، التي تمثل حوالي 7% من الناتج الداخلي الإجمالي.
وتعد هذه العائدات مورداً مهماً ومستقراً نسبياً، لكنها تبقى عرضة للصدمات. و”قد ظهر ذلك بوضوح خلال جائحة كوفيد19، حين تراجعت مساهمة السياحة من 7% إلى حوالي 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، مما أثر سلباً على التوازنات الخارجية”.
أما الآلية الثانية فهي تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يناهز عددهم 5.4 ملايين شخص ويتمركز معظمهم في أوروبا. إذ تمثل هذه التحويلات ثاني أكبر مصدر للعملة الصعبة في المغرب.
وعلى عكس عائدات السياحة، تتميز هذه التحويلات بسلوك معاكس للدورات الاقتصادية، إذ ترتفع خلال فترات الأزمات، و”قد لوحظ ذلك خلال جائحة كوفيد وكذلك بعد زلزال الحوز، حيث برزت بقوة روح التضامن بين المغاربة المقيمين بالخارج والمغاربة داخل الوطن. وتُعد هذه سمة خاصة ومميزة للحالة المغربية” وفقا للباحث.
وتسمح عائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، مجتمعتين، بخفض أثر العجز التجاري البالغ 17% من الناتج الداخلي الإجمالي إلى عجز في الحساب الجاري لا يتجاوز نحو 2% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مستوى يعتبر قابلاً للتدبير والاستدامة.
“غير أن هذا العجز المتبقي يحتاج بدوره إلى التمويل، وهنا يأتي دور الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تمثل مورداً مستقراً نسبياً وتتراوح في المتوسط بين 2% و3% من الناتج الداخلي الإجمالي خلال مختلف الفترات”.
وعندما لا تكفي هذه الموارد الثلاثة ــ السياحة، وتحويلات مغاربة العالم، والاستثمارات الأجنبية المباشرة لامتصاص العجز التجاري، تتدخل الدولة باعتبارها المقترض الأخير. فهي تلجأ إلى الأسواق المالية الدولية لتغطية الجزء المتبقي من العجز.




