يقظة استخباراتية ومقاربة أمنية ناجعة تحبطان مخططات الإرهاب بالمغرب

يواصل المغرب تعزيز يقظته الأمنية في مواجهة التهديدات الإرهابية، معتمداً مقاربة استباقية أثبتت نجاعتها على امتداد السنوات الماضية، في ظل توالي محاولات التنظيمات المتطرفة استهداف أمن المملكة واستقرارها.
وفي هذا السياق، تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناءً على معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، السبت الماضي، من توقيف عنصر متشبع بالفكر المتشدد الذي يروج له تنظيم “داعش” الإرهابي، وذلك بمدينة المضيق.
ويتعلق الأمر بشخص يبلغ من العمر 31 سنة، يشتبه في تورطه في الإعداد والتحضير لتنفيذ مخطط إرهابي من شأنه المساس الخطير بسلامة الأشخاص والنظام العام، في عملية جديدة تعكس استمرار الجهود الأمنية الرامية إلى إحباط التهديدات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.
وفي قراءته لعوامل نجاعة المقاربة الأمنية المغربية، أكد محمد شقير، الباحث في القضايا والشؤون الأمنية، أن فعالية النموذج المغربي في مواجهة الخلايا الإرهابية تعود إلى عاملين أساسيين، يتمثل أولهما في تطوير الأجهزة الأمنية لمقاربة استباقية شمولية، وثانيهما في محدودية تطور أساليب اشتغال التنظيمات والخلايا المتطرفة التي تنشط داخل المملكة.
وأوضح شقير، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الأجهزة الأمنية المغربية راكمت، منذ أحداث الدار البيضاء الإرهابية، خبرة مهمة في مجال مكافحة الإرهاب، من خلال اعتماد مقاربة قائمة على “الاستباقية والتنسيق”، مشيراً إلى أن البعد الاستباقي يعتمد بشكل كبير على التقنيات الرقمية الحديثة في تتبع ومراقبة التحركات والاتصالات داخل الفضاء الرقمي.
وأضاف أن المصالح الأمنية تتابع مختلف أشكال التواصل والتحركات التي تتم بين عناصر الخلايا الإرهابية داخل المغرب أو مع امتداداتها الخارجية، معتبراً أن هذا الرصد المتواصل يتيح للأجهزة المختصة الوصول المبكر إلى الخلايا المشتبه فيها والعمل على تفكيكها قبل المرور إلى التنفيذ.
وأشار الباحث ذاته إلى أن هذه المقاربة الأمنية مكنت من إحباط تحركات متعددة، سواء تعلق الأمر بما يعرف بـ”الذئاب المنفردة” أو الخلايا الأسرية أو المجموعات الصغيرة التي تنشط بشكل متفرق، مؤكداً أن المراقبة التقنية أصبحت عنصراً حاسماً في كشف التحركات الإرهابية وتعقبها.
وفي ما يتعلق بالعامل الثاني، أبرز شقير أن التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية يشكل نقطة قوة إضافية في النموذج المغربي، مبرزاً أن الجمع بين منصبي المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني يساهم في تسهيل تبادل المعلومات بشكل “آني وتقريباً فوري”، الأمر الذي يعزز القدرة على ملاحقة أي تهديد محتمل واستباق العمليات الإرهابية.
وسجل الباحث في القضايا الأمنية أن أغلب الخلايا التي يتم تفكيكها داخل المغرب لم تطور بشكل كبير آليات اشتغالها، إذ لا تزال تعتمد أساساً على وسائل الاتصال الرقمية التقليدية، ما يجعلها أكثر عرضة للتتبع والمراقبة، خلافاً لبعض التنظيمات الإرهابية المتطورة في مناطق أخرى، التي أصبحت تتجنب استعمال الوسائل الرقمية بسبب إدراكها أنها تشكل نقطة ضعف أمنية.
وأضاف أن تركيبة هذه الخلايا تكشف أيضاً محدودية الكفاءات الفكرية والتقنية لعناصرها، موضحاً أن العديد منهم “أشباه متعلمين أو أميون”، وهو ما ينعكس على مستوى التنظيم والتخطيط ويجعل تحركاتهم أقل احترافية وأسهل في الرصد والتفكيك.
كما اعتبر شقير أن ارتباط أغلب هذه العناصر بالتنظيمات الإرهابية يتم بشكل “تلقائي وغير مؤطر فكرياً”، موضحاً أن عدداً من المعتقلين يعلنون الولاء لتنظيمات أو “أمراء” خارج الحدود دون امتلاك قناعة فكرية راسخة أو معرفة حقيقية بخلفيات تلك التنظيمات وأيديولوجيتها.
ويرى المتحدث أن غياب الرؤية السياسية والعقائدية المنظمة لدى هذه الخلايا يفسر هشاشتها التنظيمية، مشيراً إلى أنها لا تتوفر على مشروع واضح أو بنية متماسكة تسمح لها بالتحرك بشكل قوي وفعال، مضيفاً أن أغلبها ما يزال يعتمد على وسائل بدائية وتقنيات محدودة رغم مرور أكثر من عقدين على بداية المواجهة الأمنية مع الإرهاب بالمغرب.
وشدد شقير على أن نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك الخلايا الإرهابية لا يعني نهاية التهديد، معتبراً أن المغرب، باعتباره “نموذجاً ناجحاً” في المنطقة، يظل هدفاً دائماً للتنظيمات المتطرفة التي تسعى إلى ضرب هذا النموذج أو التشكيك في فعاليته.
وختم الباحث تصريحه بالتأكيد على أن توالي المحاولات الإرهابية يعكس حجم الاستهداف الذي يواجهه المغرب، موضحاً أن “ضرب النموذج المغربي يعني استهداف تجربة ناجحة أصبحت محل اهتمام واستفادة من طرف عدد من الدول الإفريقية والآسيوية وحتى الأوروبية”.





