اقتصاد

اختلالات التمويل والحكامة تضعف منظومة التكوين المستمر بالقطاع الخاص

اختلالات التمويل والحكامة تضعف منظومة التكوين المستمر بالقطاع الخاص

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن منظومة التكوين المستمر في القطاع الخاص بالمغرب ما تزال تواجه اختلالات بنيوية تحد من الولوج المنصف إلى خدماتها وتؤثر على فعاليتها، موضحا أن الإقبال على برامج التكوين يظل محدودا، رغم التطور التدريجي الذي عرفه هذا المجال وتحوله إلى رافعة أساسية لتثمين الرأسمال البشري وتعزيز تنافسية المقاولات.

وفي هذا الصدد، سجل المجلس في رأي عنونه ب “التكوين المستمر في القطاع الخاص: إصلاح استعجالي لتيسير استفادة العاملات والعاملين وولوج المقاولات”، الذي أعده في إطار إحالة ذاتية، وصادقت عليه جمعيته العامة خلال دورتها المنعقدة بتاريخ 25 مارس 2026، أن التكوين المستمر في القطاع الخاص بالمغرب شهد تطوراً تدريجياً مشيرا إلى إن هذا التطورالمرتكز على إطار مؤسساتي منظم وآليات تمويل خاصة، ساهم في انبثاق ومواكبة قطاعات صناعية استراتيجية، خاصة في مجالي السيارات والطيران.

ويضيف المجلس أن هذه الدينامية شهدت زخما جديدا مع اعتماد القانون رقم 60.17 المتعلق بتنظيم التكوين المستمر، الذي عزز المنظومة الجاري بها العمل من خلال توسيع دائرة المستفيدين لتشمل العمال غير الأجراء والأشخاص الذين فقدوا عملهم، مع إدراج آليات مهيكلة جديدة، من قبيل الرصيد الزمني للتكوين المستمر، والتصديق على مكتسبات التجربة المهنية.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أنه جرى تنفيذ برامج تكوينية قطاعية همت عدة مجالات (الصناعة، الفلاحة، الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، والسياحة)، من أجل الاستجابة لحاجيات مختلف القطاعات، غير أنه ورغم هذه المكتسبات.

في المقابل، يوضح المجلس أن منظومة التكوين المستمر لا تزال تواجه عوامل قصور بنيوية تحد من الولوج المنصف لخدماتها وتُضْعِف من فعاليتها، بحيث لا يزال اللجوء إلى برامج التكوين محدوداً للغاية، إذ لم تستفد سنة 2022 سوى 1647 مقاولة من عقود التكوين الخاصة، من أصل 315.000 مقاولة خاضعة لرسم التكوين المهني، أي بنسبة تقل عن 0.5 في المائة.

ويضيف أن هذه المنظومة المعمول بها حاليا لا تدمج العمال المستقلين وكذا غير الأجراء، وذلك بالنظر إلى عدد من العوامل يأتي على رأسها اشتراط الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للاستفادة من آليات التكوين المستمر.

وبخصوص الاعتراف بمكتسبات التجربة المهنية، يؤكد الرأي أنه لا يزال محدوداً أيضا، إذ لم يحصل سوى 1488 شخصاً على شهادات بموجب هذه الآلية منذ سنة 2008، والحال أن حوالي نصف الساكنة النشيطة المشتغلة لا تتوفر على أي شهادة.

ويعزى هذا الوضع، بحسب المجلس إلى مجموعة من العوامل البنيوية، فبالرغم من تعزيز المنظومة التشريعية بإصدار القانون رقم 60.17 المشار إليه، فإن تفعيله يقتضي لزوما إصدار نصوصه التطبيقية، وهو ما لم يتم لحد الآن فضلا عن غياب آليات تمويل تشمل كافة النشيطين، خاصة غير الخاضعين لرسم التكوين المهني، مضيفا أن مساطر الولوج إلى التمويلات ما تزال معقدة وغير متاحة الولوج بالقدر الكافي، لاسيما بالنسبة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، إضافة إلى طول آجال تعويض المقاولات عن التكوينات يؤدي في كثير من الأحيان إلى الضغط على سيولتها المالية وتقليص قدرتها على الاستثمار في الرأسمال البشري.

ومن جهة أخرى، يضيف المجلس في رأيه أن عرض التكوين المستمر المؤهل بتمركز جغرافي شديد، مع محدودية عدد هيئات الاستشارة والتكوين المؤهَّلَة (82 هيئة و327 خبيراً)، علما أن غالبيتها موجودة بمدينة الدار البيضاء، مما لا يُمَكِّنُ المقاولات المتواجدة خارج الأقطاب الاقتصادية الرئيسية من الاستفادة من دينامية التكوين، ويساهم في تعميق الفوارق المجالية.

ويعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن إصلاح منظومة التكوين المستمر أصبح ورشا استعجاليا، وينبغي أن يندرج في إطار سياسة عمومية تعتبر التكوين المستمر حقا للأجراء وباقي العاملات والعاملين، ومسؤولية المشغل والدولة، مع إلزاميته في القطاعات الحيوية، كما يتعين إسناد تنزيل هذه السياسة العمومية إلى هيئة وطنية مستقلة عن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، ذات فروع جهوية، تحقيقا للانسجام والفعالية والمرونة ووضوح مسؤوليات مختلف المتدخلين.

وانطلاقاً من هذا التوصيف، يقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي جملة من التوصيات ضمنها، الإسراع بتعديل القانون رقم 60.17 للارتقاء بالبنية الإدارية الدائمة التي ينص على إحداثها هذا القانون إلى هيئة للتكوين المستمر وتثمين الخبرات والكفاءات، تكون مستقلة عن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وفق تركيبة ثلاثية متساوية الأعضاء بين ممثلي السلطات العمومية وأرباب العمل والشركاء الاجتماعيين.

ويوصي أيضا بضمان التخصيص الفعلي لنسبة 30 في المائة من رسم التكوين المهني لتمويل عمليات التكوين المستمر من خلال إحداث صندوق خصوصي للتكوين المستمر، تشرف الهيئة المقترح إنشاؤها على تدبيره، وتعبئة وتثمين موارده، إلى جانب وضع منصّة رقمية وطنية مندمجة للتكوين المستمر، تهم جميع مراحل عمليات التكوين، وذلك بهدف تبسيط المساطر الإدارية وتقليص آجال تعويض المقاولات، وينبغي أن تشكل هذه المنصة أداة مركزية للقيادة والتدبير، تتيح إنتاج معطيات متجانسة يمكن استثمارها في تتبع وتقييم السياسة العمومية في مجال التكوين المستمر.

واقترح المجلس العمل على ضمان التَّكفُّل الكامل بتكاليف التكوين لفائدة المقاولات الصغيرة جداً، وتمكينها من اختيار برامجها مباشرة من قائمة خاصة بالتكوينات متاحة عبر المنصة الرقمية المقترح إحداثها، إلى جانب إرساء نظام صارم للإشهاد ومنح الاعتماد لمراكز التكوين، يقوم على تثمين الخبرة والتجربة المهنية والقدرات البيداغوجية، بما يمكن من النهوض بجودة عرض التكوين المستمر وضمان مصداقيته ونجاعته.

وأوصى المجلس بتفعيل الإطار المرجعي الوطني للتصديق على مكتسبات التجربة المهنية، الذي سيتم إعداده من قبل الهيئة الوطنية للتكوين المستمر الآنفة الذكر، من خلال دلائل إجرائية تحدد البرامج والمناهج ومعايير التقييم الملائمة لكل قطاع ومستوى تكويني، مضيفا أنه يمكن لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل أن يضطلع بدور الذراع التنفيذي لدينامية تروم “التصديق على مكتسبات التجربة المهنية لفائدة الجميع”، بترصيد ما راكمه من تجربة في مجال هندسة التكوين، وما يتوفر عليه من شبكة ترابية ممتدة من أجل تعبئة لجان مهنية لتقييم الخبرات المكتسبة، وإدماج العدد الكبير من الكفاءات غير الحاصلة على شهادات.

ويوصي المجلس بإشراك الجهات في هندسة التكوين المستمر لتمكينها من تحديد حاجياتها التكوينية وبرمجة نفقاتها، من أجل تطوير تنافسية النسيج الاقتصادي الجهوي، وتقوية تموقعها على الصعيدين الوطني والدولي، وذلك وفقا لاختصاصاتها، وفي إطار الشراكة بين الجهة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

ويقترح المجلس في السياق ذاته، تعزيز انخراط المهنيين في دينامية التكوين المستمر من خلال إعادة النظر في دور المجموعات ما بين المهن لدعم الاستشارة، بما يسمح بتموقعها كفاعل قرب حقيقي ضمن المنظومة الوطنية الجديدة للتكوين المستمر، وذلك عبر تقوية ارتباطها الوظيفي بالمقاولات العاملة في القطاعات المعنية بمختلف الجهات، وإسنادها بالإمكانيات اللازمة للقيام بدور التحسيس والمواكبة.

وأوصى بتطوير صيغ بيداغوجية مرِنة، تشمل التكوين عن بُعد والتكوين الهجين (يزاوج بين التكوين الحضوري والتكوين عن بُعد)، والتكوينات قصيرة الأمد، بما يسمح بالاستجابة بشكل أفضل للإكراهات التي يواجهها النشيطون المشتغلون، سواء الإكراهات المهنية، أو تلك المرتبطة بمكان العمل، أو بتوقيت حصص التكوين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News