مسؤول بـ”الفاو”: المغرب يراهن على التكنولوجيا لضمان استدامة الموارد المائية

أكد محمد العمراني، المسؤول الرئيسي للسياسات بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بشمال إفريقيا، أن الرؤية الملكية التي يقودها الملك محمد السادس أحدثت تحولا عميقا في التعاطي مع قضية الماء، عبر الانتقال من اعتبارها مجرد تحد قطاعي إلى جعلها رافعة استراتيجية للسيادة الوطنية بأبعادها المائية والغذائية والاقتصادية.
وأوضح العمراني، اليوم الأربعاء في كلمة خلال الملتقى المؤسسي لوكالة المغرب العربي للأنباء بحضور مسؤولين وخبراء، أن هذه الرؤية “جعلت من الماء عنصرا محوريا في تحقيق الصمود الترابي والاستقرار الوطني”، مبرزا أن الاستثمار في الموارد المائية لا يرتبط فقط بتأمين حاجيات الساكنة، بل يساهم أيضا في خلق فرص الشغل وإنتاج القيمة المضافة وتعزيز التنمية المجالية.
وأضاف المتحدث أن المقاربة الملكية تتميز كذلك بالاعتماد على التكنولوجيا والعلم والابتكار، مستشهدا بمشاريع نقل المياه والبنيات التحتية الكبرى التي وصفها بـ”الطريق السيار للماء”، معتبرا أن المستقبل يفرض على مختلف السياسات العمومية أن تُبنى على أسس علمية وتكنولوجية لضمان التحول والاستدامة.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن الرؤية المغربية وضعت الأمن المائي في مستوى الأمن الغذائي والأمن الطاقي والبنيات التحتية الاستراتيجية، وهو ما يعكس، بحسبه، وعيا استباقيا بحجم التحولات التي يشهدها العالم في ظل التغيرات المناخية والضغط الديمغرافي.
وفي هذا السياق، استعرض العمراني معطيات مرتبطة بتراجع حصة الفرد من المياه، موضحا أن المغرب كان يتوفر خلال ستينيات القرن الماضي على حوالي 6000 متر مكعب للفرد سنويا، مقابل معدل عالمي بلغ آنذاك 12 ألف متر مكعب، قبل أن تتراجع الحصة حاليا إلى ما بين 700 و800 متر مكعب فقط للفرد، في حين انخفض المعدل العالمي إلى نحو 6000 متر مكعب.
واعتبر أن هذه الأرقام تعكس حجم التحديات التي تواجه منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، مبرزا أن التراجع العالمي يرتبط أساسا بالنمو الديمغرافي، بينما يتداخل في الحالة المغربية عامل التغير المناخي بشكل كبير مع الضغط السكاني، ما يجعل الرؤية الاستباقية للمملكة ضرورية للاستعداد لمستقبل تقل فيه الموارد المائية.
وشدد العمراني على أن العدالة المجالية والاجتماعية تشكل إحدى الركائز الأساسية في تدبير الماء، مؤكدا أن ضمان الولوج العادل والمنصف إلى هذه المادة الحيوية، مع مراعاة القدرة على تحمل تكلفتها، يعد شرطا أساسيا لبناء مجتمع متماسك ومستقر.
وأضاف أن تحقيق الأمن المائي والغذائي يساهم بشكل مباشر في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لأن توفير وسائل الإنتاج وتحسين ظروف العيش ينعكسان إيجابا على توازن المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات.
وفي حديثه عن التجارب الدولية، أشار المسؤول بمنظمة “الفاو” إلى التجربة الإسبانية في مجال السدود وتحويل المياه، موضحا أن إسبانيا شرعت منذ أربعينيات القرن الماضي في تطوير سياسات مائية كبرى مكنتها من بناء حوالي 1200 سد، مع اعتماد مشاريع لنقل المياه من المناطق الرطبة إلى المناطق الجافة للحد من آثار التبخر وتحسين تدبير الموارد.
وأكد أن تعبئة الموارد المائية عبر البنيات التحتية تظل مرحلة أساسية، لكنها ينبغي أن تترافق مع تدبير فعال للطلب وترشيد الاستهلاك، مبرزا أن اقتصاد الماء له حدود ولا يمكن أن يستمر دون ضوابط وقواعد واضحة.
وفي هذا الإطار، أوضح أن منظمة “الفاو” تشتغل منذ حوالي ست سنوات على مشروع يتعلق بندرة المياه بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، معتبرا أن رفع إنتاجية المياه يمثل أحد أهم العناصر التي يجب أن تؤطر القرارات السياسية المرتبطة باستخدام هذه الموارد، خصوصا في القطاع الفلاحي، إلى جانب توسيع استخدام التقنيات الحديثة والابتكار.
كما شدد العمراني على أهمية الحكامة في إنجاح السياسات المائية، معتبرا أنه “لا يمكن لأي سياسة أن تنجح دون حكامة فعالة”، تقوم على التنسيق والتتبع وتقييم الأثر وربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكدا أن الرؤية الملكية أولت هذا الجانب أهمية كبيرة ضمن مقاربتها الشاملة لتدبير الماء.





