سياسة

الجزائر تُقرُّ بدروها الحقيقي بالنزاع وتنحني لزخم الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء

الجزائر تُقرُّ بدروها الحقيقي بالنزاع وتنحني لزخم الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء

أكد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن التطورات الأخيرة التي يشهدها ملف قضية الصحراء تعكس، بحسب تعبيره، “رجاحة” ما دعت إليه الجزائر وسعت لتحقيقه على مدى العقود الخمسة الماضية، والمتمثل في ضرورة تنظيم مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو.

وأوضح أحمد عطاف أن الجزائر “ما فتئت تنادي بحتمية تنظيم مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع”، مضيفاً أن هذا التوجه يجد ترجمته، وفق قوله، في المسار التفاوضي الذي تم إطلاقه مطلع هذا العام تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وهو المسار الذي شاركت فيه الجزائر، إلى جانب موريتانيا، بوصفها بلداً مجاوراً لطرفي النزاع وطرفاً ملاحظاً في هذا المسار السياسي.

وأشار الوزير الجزائري، خلال كلمة له بمناسبة إحياء يوم إفريقيا أمس الأحد، إلى أن هذا الإطار التفاوضي يتيح، من وجهة نظره، فرصة لالتئام الطرفين المعنيين بشكل مباشر، في أفق التوصل إلى “حل عادل ودائم ونهائي” لقضية الصحراء، وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فيها القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 27/97.

وختم عطاف بالتأكيد على تطلع الجزائر، “بكل صدق وإخلاص”، إلى أن تفضي هذه المفاوضات المباشرة إلى تسوية نهائية، من شأنها، بحسب قوله، الإسهام في توفير شروط ومقومات استعادة السلم والأمن والاستقرار في منطقة المغرب العربي برمتها.

واعتبر عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن تصريحات وزير الخارجية الجزائري تكشف عن تحول لافت في طبيعة الخطاب الرسمي الجزائري تجاه قضية الصحراء، فبعد سنوات طويلة من محاولة تقديم الجزائر نفسها كـ”دولة ملاحِظة” لا علاقة مباشرة لها بالنزاع، بات الخطاب الجديد يعترف بشكل ضمني بأن الجزائر طرف سياسي أساسي في هذا الملف، حتى وإن حاولت تغليف ذلك بعبارات دبلوماسية تقليدية.

وسجل المتحدث في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية أن مجرد الحديث المتكرر عن “المفاوضات المباشرة” والإشراف المشترك للأمم المتحدة والولايات المتحدة يعكس إدراكاً جزائرياً بأن المقاربة القديمة القائمة على الإنكار السياسي لم تعد قابلة للاستمرار أمام التحولات الدولية المتسارعة التي عززت موقع المغرب دبلوماسياً.

ويرى سرحان أن الجزائر تحاول عبر هذا الخطاب إعادة التموضع داخل الملف بعدما فقدت خلال السنوات الأخيرة جزءاً مهماً من قدرتها على التحكم في مساراته الدولية، خاصة مع تنامي الدعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، واتساع دائرة الدول التي باتت تعتبر هذا المقترح الحل الأكثر واقعية وعمليّة.

لذلك، يضيف الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فإن العودة إلى فكرة “المفاوضات المباشرة” يمكن قراءتها كمحاولة لإبطاء الزخم الدبلوماسي المغربي، وإعادة إحياء صيغة تفاوضية تمنح الجزائر وقتاً سياسياً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية والدولية.

ومن زاوية أخرى، اعتبر الباحث أن الإصرار الجزائري على توصيف البوليساريو كـ”طرف مباشر” يكشف أزمة أعمق داخل الرؤية الجزائرية نفسها، إذ إن الواقع الدولي الحالي بات يتعامل مع القضية بمنطق البحث عن تسوية سياسية واقعية تحت السيادة المغربية، وليس بمنطق إنتاج كيان جديد في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وجيوسياسية.

وأكد عبد العالي سرحان أن ذلك يظهر الخطاب الجزائري وكأنه محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من السردية التقليدية أمام الرأي العام الداخلي، أكثر من كونه تعبيراً عن قدرة حقيقية على فرض توازن جديد داخل الملف.

ولفت إلى أن ربط عطاف بين تسوية النزاع واستعادة الاستقرار في منطقة المغرب العربي يحمل اعترافاً غير مباشر بأن استمرار التوتر الإقليمي أصبح عبئاً استراتيجياً على الجزائر نفسها، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تعرفها المنطقة.

وأبرز أن الجزائر تدرك اليوم أن كلفة إدامة الصراع أصبحت مرتفعة سياسياً واقتصادياً، وأن المغرب استطاع تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع إقليمي إلى ورقة قوة دبلوماسية عززت حضوره في إفريقيا والعالم العربي والفضاء الأطلسي، وهو ما جعل الخطاب الجزائري ينتقل تدريجياً من لغة التصعيد الحاد إلى لغة أكثر براغماتية وحذراً.

في المقابل، يؤكد الباحث في العلاقات الدولية أن المغرب يظهر في موقع أكثر ارتياحاً وثقة، لأن التحولات الجارية تصب في اتجاه تثبيت المرجعية الواقعية التي يدافع عنها منذ سنوات، فكلما انتقل النقاش الدولي من الشعارات الإيديولوجية إلى منطق الحلول العملية، تعززت أفضلية الطرح المغربي القائم على الحكم الذاتي والسيادة والاستقرار الإقليمي.

وخلص إلى أن تصريحات عطاف تُعد مؤشراً على أن الجزائر بدأت تستوعب تدريجياً أن ميزان التحولات الدولية لم يعد يسمح بإطالة النزاع بالشكل الذي كان قائماً خلال العقود الماضية، وأن المرحلة المقبلة ستُبنى أكثر على التفاوض حول تفاصيل التسوية الواقعية، لا على إعادة إنتاج أطروحات تجاوزها السياق الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News