رياضة

كيف أصبح بقاء فوزي لقجع على رأس جامعة الكرة ضرورة استراتيجية؟

كيف أصبح بقاء فوزي لقجع على رأس جامعة الكرة ضرورة استراتيجية؟

تستعد كرة القدم المغربية للدخول في منعطف حاسم يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليلامس عمق التخطيط الاستراتيجي للمملكة، فمع اقتراب موعد الجمع العام الانتخابي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يعود سؤال “الاستمرارية” لفرض نفسه وبقوة على الشارع الرياضي وصنّاع القرار.

وخلال فترة توليه المسؤولية، دخلت كرة القدم المغربية مرحلة إصلاحية مهمة وحساسة جداً، شهدت تسجيل عدد من الإنجازات والأرقام القوية التي وضعت الكرة الوطنية ضمن الخارطة الكروية العالمية، غير أنه، وبالرغم من ذلك، وفي أفق اقتراب انطلاقة كأس العالم 2026، تستعد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لعقد جمعها العام العادي والاستثنائي، والذي سيندرج ضمن جدول أعماله انتخاب رئيس للجامعة يقود المرحلة القادمة.

فبين ضرورة تجديد الدماء، وأهمية استمرار لقجع على رأس الجامعة في ظل الأوراش الكبرى المفتوحة على أفق مونديالَي 2026 و2030، يلوح التساؤل: ما مدى ضرورة استمرار الرجل على رأس الهرم الكروي؟ وعن حدود التماس بين إرث النجاح، وتحديات “الخلافة”، وإصلاح الملفات العالقة؟

رهان الاستقرار.. هل يجب أن يستمر القجع؟

وفي تصريحات خص بها جريدة “مدار21″، شدد المحلل والناقد الرياضي محمد الماغودي على أن استمرار فوزي لقجع رئيساً للجامعة هو أمر مهم جداً، خصوصاً وأنه عضو في الاتحاد الدولي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية للعبة.

وأوضح الماغودي أن هذا الموقع الذي يشغله لقجع اليوم قارياً ودولياً أساسي لحماية كرة القدم الوطنية، خاصة في ظل إقبال المملكة على استحقاقات مهمة، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم 2026.

كما أكد الماغودي أن بقاء لقجع يمثل ربحاً للكرة الوطنية، لقدرته على تمكين المغرب من استضافة استحقاقات كبرى تعود بالنفع على المملكة رياضياً واقتصادياً وحتى دبلوماسياً.

ووافقه الرأي المحلل الرياضي يوسف التمسماني، مؤكداً بدوره أن استمرارية فوزي لقجع لم تعد موضوع تساؤل بقدر ما هي ضرورة ملحة في ظل الاستحقاقات المقبلة.

وأضاف التمسماني: “كتقييم بناءً على الأرقام والإنجازات، يمكنني اعتبار فوزي لقجع أفضل رئيس جامعة مر في تاريخ المغرب، ويكفي دليلاً أن اسمه أصبح يتردد بشكل متوالٍ في النشرات الإخبارية لدى الخصوم كلما حققنا نجاحاً، وكأنه أصبح عنواناً لتوهج الكرة المغربية”.

تحديات ما بعد مونديال 2026 وضمان استدامة النتائج

يمثّل مونديال 2026 محطة مهمة في مسار الكرة المغربية، باعتبارها مشاركة من نوع خاص لـ”أسود الأطلس” الذين لم يعد يُنظر إليهم كمنتخب ضعيف يبحث عن مشاركة مشرفة، بل أضحى المغرب أحد المنتخبات الأكثر متابعة عالمياً.

وأكد التمسماني في تصريحه أن استمرار لقجع بعد مونديال 2026 يظل ضرورة ملحة بغض النظر عن النتائج المحققة، مشيراً إلى أن أي نتيجة سلبية بالتزامن مع رحيل الرئيس ستنعكس سلباً على صورة الكرة المغربية وعلى المكتسبات الأخيرة، محذراً من الوقوع في فخ “نسف المجهودات الكبيرة التي بُذلت لوضع المغرب على الخارطة العالمية”.

وهو ما نوه إليه الماغودي أيضا بتأكيده ضرورة استمرار القجع، الذي لايزال الرجل المناسب لقيادة هذه المرحلة الانتقالية الحساسة، كونه يمتلك مفاتيح الأوراش الكبرى التي أطلقها، ولا يوجد حالياً بديل يمتلك نفس الرؤية الشمولية التي تزاوج بين الإدارة المالية الصارمة والذكاء الرياضي الميداني.

مونديال 2030: استثمارات ضخمة وأوراش مفتوحة

يتجه المغرب اليوم نحو واحدة من أهم المحطات الرياضية في تاريخه، وهي استضافة كأس العالم 2030 في إطار ملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال، في هذا السياق، أكد التمسماني أنه في ظل هذه الملفات المفتوحة والأوراش المنطلقة، من الصعب تغيير رئيس الجامعة الذي خبر خبايا الأمور لقرابة 12 سنة، مضيفاً أن استمرار لقجع حتى مونديال 2030 سيمثل “قمة هذا المشروع الكبير”.

من جانبه، استرسل الماغودي قائلاً: “بقاء لقجع مهم لأسباب عدة، أولها الخبرة التي راكمها، وثانيها الاستراتيجية التي ينهجها وإدراكه لموازين القوى داخل الاتحادين الإفريقي والدولي”.

وأضاف أن المغرب فتح ملفات وأوراشاً حساسة باستثمارات مالية ضخمة استعداداً لعام 2030، ما يجعل أي تغيير في هرم التسيير مغامرة غير محسوبة العواقب.

وتجدر الإشارة إلى أن المملكة وضعت خطة استثمارية بحوالي 52 مليار درهم (نحو 5 مليارات دولار) لاحتضان العرس العالمي، وُجه معظمها للملاعب والنقل؛ حيث تتجاوز تكلفة بناء “الملعب الكبير” ببنسليمان 5 مليارات درهم، إضافة لتأهيل الملاعب القائمة، وتوسيع شبكة السكك الحديدية (القطار فائق السرعة)، وتطوير المطارات والطرق السيارة لاستيعاب ملايين الزوار.

إنجازات وأوراش كبرى

وخلال الولايات الثلاث لفوزي القجع على رأس الهرم الجامعي، نجح الأخير في وضع أسس متينة لهوية الكرة المغربية استنادا على التوجيهات الملكية التي أعطيت في الندوة المشهورة بالصخيرات 2008، وفي هذا العهد سجلت كرة القدم الوطنية ميلاد نواة هذه الطفرة الرياضية وهي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم.

وتُشكّل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي دُشِّنت في مارس 2010 بسلا، الركيزة الأكاديمية والتقنية للمشروع الرياضي الوطني برأسة لقجع الكروي.

وتعد أكاديمية محمد السادس ركيزة أساسية في نجح المغرب اليوم في تحقيقه، خصوصا وأنها أكاديمية التي تغطي مساحتها أزيد من 2.5 كيلومتر مربع وتضم أحدث المرافق التدريبية والتعليمية، والقادرة على استيعاب ما يقارب 50 رياضياً من الشباب، تحت إشراف طاقم متكامل يجمع بين التكوين الكروي والدراسة الأكاديمية.

ولم يأت الإعجاب بهذه المنشأة محليا فقط، بل إن الاتحاد الودلي لكرة القدم “فيفا” أشاد بالأكاديمية، وأكد أنها  تعدّ من بين أبرز المراكز العالمية في مجال تكوين المواهب، خصوصا وأنها أنجبت أسماء لامعة مثل: نايف أكرد، وعز الدين أوناحي، ويوسف النصيري، وأحمد رضى التكناوتي، وجميعهم بصموا على مشاركة تاريخية في نصف نهائي مونديال قطر 2022.

وهذا ما أكده القجع بنفسه عندما صرح قائلا: “إن تدشين أكاديمية محمد السادس لكرة القدم كان منعطفاً حاسماً في مسار الكرة المغربية، لأنها أرست نظاماً تكوينياً علمياً يُنتج مواهب قادرة على المنافسة في أعلى المستويات”.

كما أن المغرب اليوم يسير في طريق تطوير بنياته التحتية الرياضية بشكل كبير جدا، حيث تعيش المدن المغربية اليوم على وقع انتظارات كبيرة لملاعب عالمية كان في مقدمتها ملعب الأمير مولاي عبد الله الذي شكل نال إشادة عالمية واسعة، مع عدد من المنشأت الرياضية المهمة التي عززت موقع المغرب كعاصمة عالمية للرياضة.

ويُعدّ بلوغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم قطر 2022 الإنجاز التاريخي الأبرز في تاريخ الكرة الإفريقية والعربية على الإطلاق، حيث استطاع “الأسود” خلال تلك البطولة إقصاء منتخبات كبرى كإسبانيا والبرتغال وبلجيكا، ليكتب صفحة خالدة في مسيرة الكرة الدولية.

وجاء هذا الإنجاز ثمرة مشروع متكامل بدأ لقجع في بنائه منذ توليه الرئاسة،  ليحول المنتخب المغربي من منتخب غير قادر على التأهل لكأس العالم، ويحتل المركز 67 في العالم، إلى منتخب لا يغيب عن الأدووار النهائية، محتلا المركز الثامن عالميا، ومتقدما على أعتى منتخبات العالم.

وأحرز المنتخب المغربي لقب كأس إفريقيا للأمم 2025 التي أقيمت ببلادنا، بعدما غاب اللقب عن خزانة الكرة المغربية منذ 1976، إضافة إلى برونزية أولمبياد باريس 2024.

ولم تتوقف الإنجازات الرياضية الوطنية عند حدود المنتخب الأول، بل كان للفئات السنية للنتخب الوطنب نصيب كبير من هذه الإنجازات بعددما توّجت الكرة المغربية سنة 2025 بلحظة تاريخية استثنائية، إذ أحرز المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة لقب كأس العالم في تشيلي، في إنجاز رسّخ قناعة أن النهضة الكروية المغربية ليست ظرفية بل هي مجرد البداية في انتظار مستقبل يتوقع منه أن يكون بنفس الإيجابية.

من سيخلف لقجع؟

المحلل والناقد الرياضي، محمد الماغودي، أشار في تصريحاته لجريدة “مدار21” إلى نقطة جوهرية، وهي أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لم تنجح -للأسف- في وضع أسس متينة تسمح بتعويض فوزي لقجع بأي رئيس آخر بسلاسة.

وأضاف أنه كان من المفترض وجود معالم واضحة لـ”خليفة” أو قائد جديد، منتقداً النهج المبني على تسيير كل مرحلة برجالاتها، مؤكداً إلزامية تدارك هذا الأمر.

وفي رأي مغاير، أوضح التمسماني أن الجامعة باتت تسير في طريق واضح، معتبراً المشروع اليوم “مشروع دولة” أكثر من كونه مشروعاً رياضياً محضاً.

ومع ذلك، نبه التمسماني إلى أن الخليفة قد لا يمتلك نفس كفاءة لقجع، قائلاً: “ليس من السهل إيجاد شخص يجمع بين جودة التسيير والهيبة والاحترام لدى المؤسسات الدولية، والقدرة على نسج شبكة علاقات واسعة مع المسؤولين الدوليين”، مردفا: “أتمنى أن يسهم لقجع نفسه في إعداد أشخاص لخلافته لضمان الاستمرارية في الرؤية والذكاء في اتخاذ القرارات”.

الشغب والتحكيم.. ملفات “سوداء” تنتظر الحسم

لا يمكن وصف فترة رئاسة فوزي لقجع بالمثالية المطلقة؛ إذ ما تزال هناك ملفات عالقة تتطلب الإصلاح، وفي مقدمتها، حسب التمسماني، ملف الشغب الرياضي، التحكيم، والمدربين الوطنيين.

وشدد التمسماني على ضرورة التعامل بصرامة مع ظاهرة الشغب الجماهيري التي تسيء للرياضة الوطنية، خاصة وأن المغرب أضحى مرجعاً في الأمن الرياضي وتنظيم التظاهرات. كما أشار إلى مسألة “التحكيم” معتبراً إياها “النقطة السوداء” في البطولة الاحترافية، مؤكداً أن “البلد الذي يريد التتويج بكأس العالم، يجب أن يتوج أولاً بكأس العالم في التحكيم”.

واختتم التمسماني حديثه بالدعوة إلى الاعتماد على المدربين الوطنيين في كافة المنتخبات، نظراً لما يزخر به المغرب من كفاءات قادرة على تقديم الإضافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News