الحداوي: الأمن المدرسي مسؤولية جماعية و”الشرطة المواطنة” خيار استراتيجي

أكد العميد الإقليمي مصطفى الحداوي، رئيس قسم الشرطة الحضرية بمديرية الأمن العمومي، أن المديرية العامة للأمن الوطني تولي أهمية خاصة لقضايا الناشئة والتربية والتعليم، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية، ومع التصور الأمني الحديث القائم على مفهوم “الشرطة المواطنة” والانفتاح على مختلف الفاعلين التربويين والمؤسساتيين.
وأوضح الحداوي، اليوم الإثنين خلال ندوة علمية حول موضوع “تأمين محيط المؤسسات التعليمية.. التحديات والشراكات” نظمت بمناسبة الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة، أن المقاربة التي تعتمدها المديرية العامة للأمن الوطني تنطلق من قناعة راسخة مفادها أن “البناء الهادف يبدأ من التربية الحسنة ومن الاهتمام بالنشء والطفل عموما”، مشيرا إلى أن الاهتمام بهذه الفئة يحظى بعناية خاصة من طرف الملك محمد السادس.
واستحضر المسؤول الأمني مقتطفا من خطاب العرش لسنة 1999، وهو أول خطاب للملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش، حيث قال: “إننا نولي قضية التربية والتكوين أهمية قصوى باعتبارها ثاني أسبقية وطنية بعد وحدتنا الترابية”، معتبرا أن هذا التوجيه الملكي يعكس المكانة المركزية التي تحتلها المدرسة والتكوين في المشروع المجتمعي المغربي خلف القضية الوطنية.
واستشهد الحداوي بكلمة المدير العام للأمن الوطني بمناسبة الذكرى الـ61 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني سنة 2017، والتي أكد فيها أن المؤسسة الأمنية “تعمل على انتهاج حكامة أمنية جيدة تراهن على تكييف عمل وحدات الشرطة مع الطلب العمومي في مجال الأمن، ومع التحديات الجديدة التي تفرضها التهديدات الإجرامية، ومع موجبات وضرورات حقوق الإنسان”.
وأشار رئيس قسم الشرطة الحضرية خلال مداخلة بعنوان “التحسيس بالوسط المدرسي.. شرطة مواطنة من أجل غد أفضل” إلى أن عدد المؤسسات التعليمية بالمغرب بلغ 14010 مؤسسة بالوسط الحضري، تشمل التعليم العمومي والخاص، موزعة بين 7556 مؤسسة بالسلك الابتدائي، و3923 مؤسسة بالسلك الثانوي الإعدادي، و2531 مؤسسة بالسلك الثانوي التأهيلي، معتبرا أن هذه الأرقام تعكس حجم الرهانات المرتبطة بالتمدرس وبالتحديات الاجتماعية والتربوية، وفي مقدمتها الهدر المدرسي.
وأوضح المتحدث أن عمل المديرية العامة للأمن الوطني يقوم في جانبه المقارباتي على ترسيخ “ثقافة الأمن المشترك”، مؤكدا أن المواطن أصبح شريكا أساسيا في إنتاج الأمن، وأن مسؤولية حماية الناشئة وتربيتها مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الأمنية.
وقال الحداوي إن هذا الهاجس رافقه طيلة مساره المهني الممتد لأزيد من 32 سنة داخل أسلاك الأمن الوطني، مضيفا أن “قضية تربية الأبناء وتأطير الناشئة تهم الجميع، والتخلي عن هذا الدور من طرف أي مكون من مكونات المجتمع ينعكس سلبا على المنظومة التربوية برمتها”.
وتوقف المسؤول الأمني في عرضه عند مجموعة من المحاور الأساسية التي تعتمدها المديرية العامة للأمن الوطني في عملها التحسيسي، من بينها التحسيس بالأوساط المدرسية، والانفتاح على فعاليات المجتمع المدني، والتعاون مع المؤسسات الوطنية، وإشراك وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن التفاعل مع الشكايات والتظلمات.
ولفت إلى أن المصلحة المكلفة بالتحسيس في الوسط المدرسي، التابعة لقسم الشرطة الحضرية بمديرية الأمن العمومي، تشتغل بتنسيق مع مختلف المكونات الأمنية، بما فيها الشرطة القضائية والاستعلامات العامة والشرطة الإدارية، في إطار مقاربة تكاملية تروم تحقيق الأهداف الوقائية والتحسيسية المنشودة.
وفي سياق حديثه عن التحديث الشرطي، أكد الحداوي أن المرفق الأمني شهد خلال السنوات الأخيرة عمليات تطوير شملت الهياكل ووسائل الاشتغال، استجابة للتحولات المرتبطة بمخاطر الجريمة، واعتمادا على مبادئ الاستباق والمبادرة لترسيخ مفهوم الشرطة المواطنة.
وأضاف أن المقاربة الأمنية الحديثة لم تعد تقتصر على “الاستباق، بل انتقلت إلى التحليل الاستشرافي، باعتباره أحد أحدث المناهج العلمية المعتمدة في المجال الأمني، ويقوم على مساهمة خبراء في علم النفس وعلم الاجتماع ومتخصصين أمنيين لتحليل الظواهر واستشراف المخاطر المستقبلية”.
وشدد المتحدث عينه على أن تلبية حاجيات المواطنين في المجال الأمني “لم تعد ترتبط بالمفهوم الكلاسيكي الزجري، بل أصبحت تقوم على التواصل والتفاعل والانفتاح”، مبرزا أن “المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسة الأمنية، انخرطت في هذا التوجه بعد مسار المصالحة الذي أرسى دعائمه الملك الراحل الحسن الثاني”.
وأكد أن التواصل مع المواطنين والفاعلين يبقى أساسيا لتطوير الأداء الأمني، موضحا أن الاستماع للنقد البناء ولنبض الشارع العام يشكل آلية ضرورية للوصول إلى نتائج ملموسة وتحقيق النجاعة المطلوبة.
وشدد على أن عملية التطوير شملت أيضا منظومة التكوين الشرطي بمختلف الأكاديميات ومدارس التكوين، إلى جانب تعزيز الكفاءات البيداغوجية، مشيرا إلى أن المديرية العامة للأمن الوطني تولي أهمية خاصة للمقاربات التربوية الحديثة في تكوين أطرها، مع اعتماد تصورات تراعي خصوصية الطفل والناشئة باعتبارهما فاعلين يمتلكون قدرات وإمكانات ينبغي تطويرها وتأطيرها، وليس مجرد متلقين سلبيين للتوجيه.







