سياسة

الانحياز الأعمى يضعف مصداقية بريتوريا ويحولها لأداة بيد الجزائر

الانحياز الأعمى يضعف مصداقية بريتوريا ويحولها لأداة بيد الجزائر

رغم وضوح الرؤية الدولية المتنامية حول قضية الصحراء، استمرت بعض الدول، ومنها جنوب إفريقيا، في التعبير عن مواقف تقليدية لم تعد تنسجم مع التحولات العميقة التي تعرفها القارة الإفريقية، إذ استقبلت بريتوريا، قبيل أيام، ممثلاً مفوضًا عن جبهة البوليساريو الانفصالية، في إجراء دبلوماسي لا يغير من واقع المسار الأممي، ولا من الزخم المتزايد الذي تحظى به المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها الحل الجدي والواقعي الذي يحظى بدعم دولي واسع.

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عبد العالي سرحان، أن استقبال جنوب إفريقيا لممثل جبهة البوليساريو لا يمكن فصله عن سجل طويل من المواقف العدائية التي تبنتها بريتوريا تجاه المغرب، والتي اتسمت بانحياز واضح ومعلن للأطروحة الجزائرية في نزاع الصحراء.

وأوضح سرحان في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن موقف جنوب إفريقيا لم يعد يُقدَّم بوصفه دعمًا “مبدئيًا” للأطروحة الانفصالية، بقدر ما أصبح اصطفافًا سياسيا جامدًا داخل محور إقليمي تقوده الجزائر، يوظف هذا الملف كأداة للصراع الجيوسياسي، وليس كقضية تصفية استعمار كما تدّعيه بعض الخطابات الرسمية الواهمة.

وأشار سرحان إلى أن جنوب إفريقيا اختارت، منذ سنوات، التموضع خارج منطق الحياد الإيجابي، متجاهلة التحولات الكبرى التي عرفها الملف، وعلى رأسها الاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء، والدعم الواسع الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والعملي الوحيد القابل للتنفيذ، معتبرا أن هذا الانحياز يجعل من بريتوريا فاعلًا غير موضوعي، ويضعف مصداقيتها عندما تتحدث عن السلم الإقليمي أو احترام الشرعية الدولية.

وسجل الباحث أن المواقف العدائية لجنوب إفريقيا تجاه المغرب لا تتجلى فقط في استقبال ممثلي البوليساريو، بل أيضًا في خطابها داخل الاتحاد الإفريقي والمحافل الدولية، إذ تحاول باستمرار إحياء أطروحات متجاوزة، في تناقض صارخ مع التوجه العام للقارة، التي باتت ترى في الاستقرار والتنمية والتكامل الاقتصادي أولوية قصوى، معتبرا أن هذا السلوك يعكس عجز بريتوريا عن التحرر من إرث إيديولوجي يعود إلى زمن الحرب الباردة، ما يجعلها أسيرة تحالفات تقليدية لم تعد تخدم مصالحها ولا مصالح القارة.

وأكد سرحان أن هذا الانحياز الجزائري–الجنوب إفريقي يُفقد بريتوريا القدرة على لعب أي دور توافقي داخل الاتحاد الإفريقي، ويحولها إلى طرف في نزاع إقليمي بدل أن تكون عنصر توازن، مشددا على أن هذا التموقع يضعها في مواجهة غير مباشرة مع عدد متزايد من الدول الإفريقية التي اختارت دعم المقترح المغربي أو تبني مواقف متوازنة، إدراكًا منها بأن النزاع المفتعل حول الصحراء يشكل عائقًا أمام مشاريع التنمية والاستثمار القاري.

ويرى الباحث أن إصرار جنوب إفريقيا على معاداة المغرب يعكس سوء تقدير للتحولات الجيوسياسية الجارية، خاصة في ظل تنامي الحضور المغربي في إفريقيا عبر شراكات اقتصادية، ومبادرات تنموية، ومشاريع هيكلية عززت صورة المملكة كفاعل موثوق وشريك استراتيجي.

وخلص عبد العالي سرحان إلى أن استمرار بريتوريا في هذا النهج قد يكرس عزلتها السياسية، ويجعلها خارج السياق الإفريقي الجديد، الذي لم يعد يحتمل صراعات إيديولوجية بائدة، بقدر ما يراهن على حلول واقعية، وهو الرهان الذي جسده المغرب بثبات واتزان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News