الأبعاد السياسية والمؤسساتية للحكم الذاتي

يعتبر الحكم الذاتي أحد الآليات الحديثة لاستيعاب مكونات النظام اللامركزي في بعده السياسي الواسع، والذي يختلف جذريا عن الجهوية المتقدمة التي أكدها الدستور المغربي في فصله الأول كأساس للتنظيم الترابي للمملكة. فالحديث عن الحكم الذاتي يرتقي بالتنظيم اللامركزي بالمغرب لمستويات أخرى، وهو ما يأتي أيضا في سياق .
وإذا كان المغرب يحاول في الوقت الراهن يحاول صياغة نسخة أكثر تفصيلا وتقدما لمبادرة الحكم الذاتي الذي اقترحته المملكة سنة 2007، وانتظر 18 سنة لاعتماده رسميا من قبل مجلس الأمن الدولي في قراره التاريخي رقم 2797، فإن نزوع السلطات العليا لإشراك الأحزاب السياسية في عملية التجويد والتفصيل قبل تقديم الصيغة النهائية يعتبر مستوى جد متطور من آليات التدبير السياسي لهذا الملف الذي يعتبر أولوية قصوى لدى الدولة.
فإشراك الأحزاب السياسية يعد بدوره مؤشرا واضحا على رغبة الدولة في رفع مستوى النقاش العمومي المؤطر من قبل الهيآت الحزبية، ودفعها للانخراط في الدينامية الحالية التي تعرفها قضستنا الوطنية الأولى. غير أن هذه الرغبة تتطلب تجاوبا حقيقيا من قبل الأحزاب السياسية المطالبة بتقديم اقتراحات ذات مضمون حقيقي، وليس فقط مجرد صياغة شكلية لمعظم المحاور الواردة في المقترح المغربي للحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية.
وفي هذا السياق، يتعين على الأحزاب السياسية أن تبادر لتقديم إضافات حقيقية تسمح بتجويد وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي ،انطلاقا من اقتراح صيغ سياسية وقانونية لإعادة النظر في بنية الدولة وإعادة توزيع أو تدقيق المهام والاختصاصات بين السلط والمؤسسات الدستورية، أو بوضع أجندة سياسية وقانونية ومؤسساتية للتنزيل العملي للإصلاح السياسي والدستوري والقانوني المرتبط بمحاور الحكم الذاتي عند اعتماده رسميا وإدراجه في المنظومة الدستورية والقانونية والمؤسساتية المغربية بشكل نهائي.
وعلى هذا الأساس، فإن تفصيل مقترح الحكم الذاتي يرتبط من جهة بشروط سياسية وقانونية ومؤسساتية، ومن جهة ثانية بتدابير عملية لضمان حسن التنزيل واستيعاب التناقضات المتوارثة منذ عقود، خاصة في ظل خصوصية أقاليمنا الجنوبية التي تختلف جذريت عن عدد من التجارب الدولية التي اعتمدت مثل هاته الأنظمة الجهوية.
أولا: البعد السياسي للحكم الذاتي:
يعتبر البعد المؤسساتي بشكل عام ذا أولوية في مناقشة أنظمة الحكم الذاتي عالميا، على اعتبار أن النماذج المعروفة دوليا جاءت إما كحل سياسي لوضع يسمح باحتفاظ المواطنين المعنيين به بولائهم المحلي والولاء للدولة، وهي الحالة التي توجد عليها الأقاليم الجنوبية للمملكة، أو نتيجة تنظيم المناطق المتمتعة أصلا بصلاحيات سياسية واسعة وضمان اندماجها في الدولة.
فقد أكد المقترح على ارتكازه على “ﻣﻘﻮﻣﺎت دوﻟﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن واﻟﺤﺮﯾﺎت اﻟﻔﺮدﯾﺔ واﻟﺠﻤﺎﻋﯿﺔ واﻟﺘﻨﻤﯿﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿﺔ”، وهي مبادئ أساسية ضامنة للبعدين السياسي والحقوقي، على اعتبار أن هذه المبادرة ستحقق المصالحة بين الجغرافيا والبعد السكاني ضمن الوحدة الوطنية.
وفي هذا السياق يتعين الحرص على أن يشمل مقترح الحكم الذاتي البعد الجغرافي للمنطقة المعنية به، ويتعلق الأمر بأقاليمنا الجنوبية، خلافا لما قد يعتقده البعض بالتركيز على السكان المحليين. فمقترح الحكم الذاتي ذا أساس جغرافي بالدرجة الأولى، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التركيز على البعد العرقي أو الإثني أو القبلي، لأن ذلك سيثير إشكالات أخرى أكثر تعقيدا، على اعتبار أن القبائل الصحراوية بأقاليمنا الجنوبية لها امتدادات أو ارتباطات عرقية أو لإثنية أو قبلية في الدول المجاورة.
وعلى هذا الأساس، فإن مقترح الحكم الذاتي يتعين أن يشمل المجال الجغرافي الذي يضم الأقاليم الجنوبية للمملكة بالجهات الثلاث (كلميم واد نون، العيون الساقية الحمراء، ثم الداخلة واد الذهب) بما تضمه هاته الأقاليم من تنوع سكاني وثقافي، وفق أحكام الدستور المغربي، وبناء على مبدأ الدولة الواحدة بنظامين للجهوية: جهوية سياسية بمنطقة الحكم الذاتي، وجهوية إدارية متقدمة في باقي مناطق المملكة.
وهذا التفصيل المهم سبق أن أشارت إليه المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وإن بشكل عام ومبدئي، وذلك بتأكيدها على شمول الحكم الذاتي لجهة الصحراء في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية.
وبمقابل ذلك، يعتبر البعد الديمقراطي أحد شروط إنجاح المبادرة، وهو ما حاول المقترح المغربي لسنة 2007 تأكيده عبر ضمان المكانة اللائقة لكافة الصحراويين (الموجودين بالداخل أو بالخارج) ودورهم الكامل في مختلف هيآت الجهة ومؤسساتها دون أي تمييز أو إقصاء، وهو شرط ذا أهمية بالغة خاصة في ظل الاستعداد لتقديم الصيغة المحينة من قبل المغرب والتفاوض بشأنها مع الأطراف المعنية.
إن هذا البعد السياسي يعتبر حاكما على مستوى إقرار وتنزيل المقترح المغربي للحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية، غير أن هذا البعد يرتبط بدوره وبشكل وثيق بالبعد الديمقراطي الذي يعتبر ضامنا لإرساء الثقة عند التفاوض على محاور المقترح. وفي هذا السياق لا يمكن فصل التطور السياسي والديمقراطي بالأقاليم الجنوبية عن باقي جهات المملكة، وهو ما يتطلب بالضرورة تعزيزا للمسار الديمقراطي على مستوى ورش تنزيل الجهوية المتقدمة المعتمدة في الفصل الأول من دستور و2011.
غير أن الواقع الميداني يبين بجلاء أن هذا الورش لا يزال يراوح مكانه، ولا يسجل تقدما كبيرا على مستوى إرساء جهوية إدارية حقيقية تجسد التطور اللامركزي المنشود، سواء تعلق الأمر بممارسة الاختصاصات التنموية، أو بخلق نخب جهوية ومحلية في مستوى التطلعات. وبالتالي يعتبر تطوير النظام الجهوي الحالي وتعزيز بعده الديمقراطي أساس إنجاح ورش الحكم الذاتي، إذ لا يمكن أن يسير المغرب بسرعتين متعارضتين على مستوى مختلف جهات المملكة.
وهذا ما يجعل البعد السياسي المرتبط بمقترح الحكم الذاتي ذا أهمية قصوى بالنسبة لأقاليمنا الجنوبية ولباقي جهات المملكة أيضا، وقد جاء المقترح المغربي للحكم الذاتي لسنة 2007 شاملا بشكل عام للمحاور السياسية الكبرى للمقترح، والتي تعتبر بدورها أساس التفصيل القانوني والمؤسساتي.
ثانيا: البعد الدستوري لمنظومة الحكم الذاتي:
إذا كان الدستور الجديد قد فسح المجال لإعادة النظر في شكل الدولة الإداري وفي بنيتها العامة، فإن الحكم الذاتي يختلف بنيويا ومؤسساتيا عما تعرفه المملكة من تنزيل للجهوية المتقدمة منذ سنة 2015.
فالمستوى الدستوري يعتبر أحد الآليات الرئيسية لتنزيل مقترح الحكم الذاتي الذي سيتم اعتماده بشكل رسمي ونهائي من قبل الأطراف والمؤسسات المعنية، ولا يمكن في هذا السياق الاكتفاء بالنظام الدستوري الحالي الذي يسمح بهامش واسع للجهوية الإدارية، لكنه لا يتضمن بعد أية أحكام تتعلق بمبادئ وقواعد الحكم الذاتي، وبمؤسساته المفترضة والواردة في المقترح المغربي للحكم الذاتي (الهيآت التشريعية والتنفيذية والقضائية).
فدستور 2011 يتطرق لبنية بسيطة للدولة قائمة على البعد الترابي المؤسس على الجهوية الإدارية، في حين أن جهة الحكم الذاتي يفترض أن تتوفر على مؤسسة تشريعية خاصة بها إضافة إلى تمثيلها في البرلمان الوطني، وهما شرطان أساسيان لضمان حكم ذاتي فعلي في إطار السيادة الوطنية، وهي قواعد جديدة ذات بعد دستوري بالأساس، وليس قثط على المستوى القانوني والتنظيمي.
وعلى الرغم من أن إثارة مسألة مراجعة الدستور تثير بعض الحساسية لدى عدد من الأحزاب السياسية، إلا أن تفصيل وتجويد مقترح الحكم الذاتي يتعين أن يستحضر من قبل المؤسسات الحزبية البعد الدستوري الذي يعتبر مبدئيا على هذا المستوى. بل إن عدم إثارة هذا المستوى قد يجعل من مقترحات الأحزاب مجرد إعلان إنشائي، في حين أن الدولة أبانت عن نيتها السير بجرأة سياسية واضحة على هذا المستوى.
فالاختصاصات المخولة لجلالة الملك، والمحددة في الباب الثالث من الدستور، يفترض أن تعرف عدة تعديلات بإضافة الاختصاصات المتعلقة بالسيادة وبالتعيين وبالسلطة العليا على مؤسسات ومنطقة الحكم الذاتي. في حين أن الباب الأول نفسه يفترض أن يعرف إيراد “القواعد والمبادئ الأساسية للحكم الذاتي ضمن السيادة الوطنية” كضمان واضح لهذا المبدأ، إضافة إلى التنظيم الترابي المزدوج بين الجهوية السياسية في منطقة الحكم الذاتي والجهوية الإدارية – المتقدمة في باقي مناطق المملكة.
وفي هذا الإطار، قد يكون من الملائم اعتماد مراجعة معمقة لدستور 2011، وقد يكون اعتماد مقترح الحكم الذاتي مناسبة لها، وذلك بإفراد باب خاص بنظام الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية ،وهو ما سارت عليه أغلب الأنظمة الدستورية، بحيث نجد هذا الأمر مفصلا في الدستور الفرنسي (وخاصة المادتين 72 و73) وعدد من الدساتير الأخرى (إسبانيا بالنسبة لأقاليم الحكم الذاتي، إيطاليا…). وهذه الدساتير تتطرق لعدد كبير من التفاصيل المتعلقة بالتنظيم والاختصاصات والعلاقة مع السلطات المركزية ،وذلك تفاديا للفراغات الدستورية على هذا المستوى.
وينتظر أيضا أن تثار مسألة طهور الأحزاب المرتبطة جهويا بمنطقة الحكم الذاتي كمجال جغرافي، وهو ما يمنعه الفصل السابع من دستور 2011. وإذا كانت رغبة المملكة واضحة في استيعاب جميع المواطنين المغربة، بمن فيهم المحتجزين في تندوف، فإن المنطق يقتضي إتاحة الفرصة لتأسيس أحزاب جهوية في المجال الجغرافي للحكم الذاتي، وهو ما يتطلب أيضا مراجعة دستورية على هذا المستوى، بهدف ضبط هذا النوع من الأحزاب السياسية وتحديد مجالات عملها كي لا تتحول لأداة انفصالية عوض أن تكون آلية للتمثيل المحلي.
وبمقابل ذلك، فإن مختلف أبواب الدستور المتعلقة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ستكون بالضرورة معنية بالتمراجعة لملاءمتها مع الوضع الجديد المتوقع، فمن جهة ستكون تمثيلية منطقة الحكم الذاتي في البرلمان الوطني بغرفتيه معنية بملاءمة أحكام الدستور الواردة في الباب الرابع منه، سواء تعلق الأمر بانتخاب ممثلي الصحراء في مجلس النواب، أو التمثيلية بمجلس المستشارين الذي يتعين أن يعرف تغييرا جذريا في تركيبته. وهنا يمكن اقتراح تحويل مجلس المستشارين لصيغة جديدة باعتباره “مجلسا للجهات وضمنها جهة الحكم الذاتي”، وهو مقترح يضمن توازنا دستوريا أكبر وعضوية متبادلة بين المؤسسات التشريعية الوطنية والجهوية.
وهذا المنحى ينطبق من جهة ثانية على باقي أبواب الدستور، وخاصة الباب الخامس المتعلق بالسلطة التنفيذية، والذي يفترض أن يتضمن بدوره مقتضيات تهم العلاقة والتداخل مع منطقة الحكم الذاتي، والباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية (العلاقة مع المؤسسات القضائية للحكم الذاتي)، والباب الثامن المتعلق بالمحكمة الستورية (مجال تدخل المحكمة الدستورية والاختصاصات المحتملة بخصوص تطبيق أحكام الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية)…
فمقترح الحكم الذاتي، كورش وطني كبير، سيكون مناسبة لإعادة النظر في البناء الدستوري المغربي الحالي في اتجاه توسيعه لاستيعاب هذا المستجد الاستراتيجي الذي سيعيد النظر في البنية الإدارية للدولة، كما يعتبر أيضا مناسبة لتعزيز عناصر الإصلاح السياسي ومعالجة عدد من الإشكالات التي نتجت عن تنزيل أحكام الدستور منذ سنة 2011.





