وسيط المملكة: ضعف الحكامة وخصاص الأطر يعرقلان الولوج إلى العلاج

أوضح تقرير حديث لمؤسسة وسيط المملكة أن المرفق الصحي يبقى “الفضاء الملموس للوقوف على اختلالات المنظومة الصحية، حيث يقدم الخدمات الصحية التي يفترض أن تكون عالية الجودة وعند حدوث ما يخالف ذلك، تتحول هذه الجودة المتدنية للخدمات إلى مسبب من مسببات الوفاة وانعدام الثقة في نظام الرعاية الصحية”.
وأوضح الوسيط، في إصدار جديد تحت “حكامة المرافق الصحية كمدخل لتجويد العرض الصحي”، أنه في المغرب “رغم التحسن الملحوظ الذي تعرفه البنيات الصحية، من خلال برمجة بناء مؤسسات صحية جديدة وتقدم الأشغال في أوراش بناء وهيكلة البنيات المؤسساتية الصحية، إلا أن توزيع العرض الصحي وجودة الخدمات ما تزال تسائل حكامة المرافق الصحية”.
تحديات الولوج والإنصاف الجغرافي
أوضح تقرير الوسيط أنه “لا يكفي توافر بنية صحية مجهزة لضمان التمتع الكامل بالحق في الصحة بل يجب أن تكون المرافق الصحية سهلة الولوج لجميع الأفراد على اختلاف مشاربهم، ومحدداتهم الاقتصادية والاجتماعية”.
وتابع في السياق ذاته أنه “يلاحظ استمرار تركز المؤسسات الصحية في ثلاث جهات كبرى هي على التوالي: الدار البيضاء – سطات، الرباط – سلا القنيطرة وجهة مراكش – آسفي. كما يلاحظ التفاوت على مستوى توزيع الأطر الطبية، حيث تعرف عدد من الجهات زيادة واضحة في الكثافة مقابل تراجع كبير في أخرى، مع استفحال الأمر عندما تعقد المقارنة بين المجال القروي والمجال الحضري”.
وأكد الوسيط على أن “الولوج إلى المرفق الصحي بما يعنيه من استفادة مثلى من خدمة الرعاية الصحية، يرتبط كذلك بمستلزمات تحسين الاستقبال، ذلك أن استقبال المريض وذويه أو طالب الخدمة الصحية، ينبغي أن يكون منظما وفق معايير ومواصفات موحدة، من قبيل فضاءات سهلة الولوج مخصصة للاستقبال، ونظام للتشوير وتدبير صفوف الانتظار حسب الأسبقية، واعتماد تحديد المواعيد بفارق من الزمن يقلص من حجم صفوف الانتظار مع مراعاة الحالات المستعجلة”، مؤكدا على أن “من شأن ذلك، تحقيق مبادئ النجاعة والشفافية في المرفق العمومي ومحاربة كل مظاهر المحسوبية والزبونية والرشوة”.
وأوضح أنه “يجدر الحرص على عدم التخلف عن تمكين الفئات الخاصة وتلك التي تعاني من الهشاشة من الحصول على الخدمات الصحية، عبر اتخاذ تدابير إيجابية لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة، النساء الأرامل ذوات الدخل المحدود والأطفال”، مضيفا في هذا السياق أنه “لم يعد من المقبول، تخلف النساء عن الاستفادة من الخدمات الصحية، إذ تعتبر صحة الأم والطفل من الأولويات التي ركز عليها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ما يبرز ضرورة إحاطة ولوج النساء إلى المرفق الصحي بكل التسهيلات الممكنة”.
خصاص ونزيف الموارد البشرية
وأبرز التقرير أن فعالية المنظومة الصحية، وضمنها جودة خدمات الرعاية الصحية تقاس “بمستوى الرأسمال البشري العامل في قطاع الصحة. وفي هذا الشق بالذات يظهر النقص الكبير في عدد الأطر الصحية، حيث سجلت سنة 2022 توافر 18 مهني صحة لكل 10.000 نسمة، مع تعهد الحكومة رفع العدد إلى 45 مهني صحة لكل 10.000 نسمة بحلول سنة 2030”.
واعتبر أن الخصاص على مستوى الأطر الطبية يطرح “تحديات مواكبة الطلب على الخدمة الصحية، ومن المتوقع بسبب تسارع وتيرة انتشار الأمراض والأوبئة أن تزداد الحاجة أكثر لأطر مؤهلة في القطاع الصحي، خصوصا في ظل ورش تعميم التغطية الصحية، بالموازاة مع شيخوخة المجتمع وحاجيات هذه الفئة العمرية من الناحية الصحية بالإضافة إلى شيخوخة الأطر الطبية نفسها وضرورة تعويضها”.
وأردف أنه “ولا شك أن الإشكال يستفحل بفعل نزيف هجرة الأطباء والأطر الصحية، فمقابل 23 ألف طبيب مغربي يمارسون بالمغرب، هناك ما بين 10 آلاف و 14 ألف طبيب مغربي يمارسون ببلاد المهجر وخصوصا بالبلدان الأوروبية”.
وأورد أن هذا الخصاص المهول يستدعي “الالتفات إلى نظام التكوين في مهن الصحة وإلى جاذبية القطاع ككل، فرغم التطور الذي شهده التكوين في القطاع العام، التي تم إنشاء كليات جديدة للطب والصيدلة من أجل الرفع من الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التكوين، بقي عرض التكوين متمركزا في محور الرباط والدار البيضاء ومراكش بحصة تصل إلى حوالي 60% من الطاقة الاستيعابية الإجمالية”.
وأشار إلى أن الأطر الطبية العاملة في القطاعين العام والخاص “تفتقر إلى نظام حوافز يترافق مع ضعف الأجور والمداخيل مقارنة مع فئات مهنية أخرى، علاوة على تدني ظروف العمل وكثرة ضغوط الممارسة الطبية”.
وشدد الوسيد على أنه “لا مناص من وضع نظام حكامة يضمن التنسيق بين جميع الفاعلين المعنيين لتوفير نظام تكوين فعال، واستغلال أمثل للموارد البشرية في اتجاه تثمينها وتحسين جاذبية المهنة عموما في انسجام تام مع خصوصيات وبعد مواقع العمل الترابي”.
حكامة تسيير المرافق الصحية
وأفاد التقرير أن أهـم المبادئ التي مـن شـأنها تأطيـر الاسـتفادة مـن خدمـات المرافـق الصحيـة ترتكـز علـى؛ الفعاليـة عبـر إحـداث الأثـر الإيجابـي الملموس على صحة المريض، الخدمـة المأمونـة التي تجنب إلحاق الضرر بالأشخاص المزمع تزويدهم بالرعاية، والاستجابة لاحتياجات المرضى عبر التكيف مع تفضيلاتهم وقيمهم، ومناسبة التوقيت إذا تم تقليل أوقات الانتظار وحالات التأخير الضارة، والإنصاف في تقديم الرعاية دون “تفريـق بيـن النـاس فـي جودتهـا علـى أسـاس السـن أو الجنـس أو الانتمـاء العرقـي أو الإعاقـة أو الموقـع الجغرافـي أو المركـز الاجتماعـي والاقتصـادي أو الانتسـاب اللغـوي أو السياسـي.
ويخلص التقرير إلى أن “الحكامة المرفقية في القطاع الصحي مسعى يلتقي مع ترسانة معيارية دولية ووطنية، تهدف أساساً إلى تجاوز الاختلالات التي يعرفها المرفق الصحي”. فـ”الجهود الإصلاحية، ما لم تنعكس آثارها الإيجابية بشكل ملموس على المرتفق، ستظل محدودة الجدوى وعرضة للتعثر وتنامي التوترات.





