مجتمع

“أطفال الشارع” بالدار البيضاء.. فئات هشة تصارع قساوة الحياة

“أطفال الشارع” بالدار البيضاء.. فئات هشة تصارع قساوة الحياة

أينما وليت وجهك بمدينة الدار البيضاء إلا ولمحت مشاهد تجول الأطفال واليافعين بالأحياء والشوارع الكبرى والصغرى، منهم من يمتهن التسول ومنهم من يمتهن السرقة، ما يعرضهم للعنف والاستغلال والإدمان.

“المدينة القديمة”، بوركون، ساحة ماريشال، وساحة الأمم المتحدة وشوارع أخرى، من بين الأماكن التي تعيش على وقع انتشار مخيف للأطفال في وضعية الشارع، مما جعل فعاليات حقوقية تدق ناقوس الخطر حول هذه الظاهرة المتنامية يوما بعد يوم.

دفئ الشارع “المزيف”

نجاة أنور، رئيسة جمعية “متقيسش ولدي”، أكدت أن مدينة الدارالبيضاء من بين أكبر المدن المغربية التي تعرف كثافة سكانية كبيرة، و هذا راجع إلى كونها تشكل قبلة لكل عائلة أو فرد يحاول تحسين وضعيته الاجتماعية، مضيفة أن الأوضاع المناخية تحتم على العائلات المكونة من 6 أفراد أو أكثر، الهجرة نحو العاصمة الاقتصادية للبحث عن غرفة تأويهم في حي شعبي، مشيرة إلى أن هذه التحديات تعد واقعا يبرز حجم معاناة أطفال هاته العوائل.

وأضافت في تصريح لجريدة “مدار21”  الإلكترونية، أن المشاكل الأسرية من بين التحديات الأخرى التي تعد سببا رئيسيا يرمي بالأطفال إلى أحضان الشارع، إلى جانب  ارتفاع حالات الطلاق وغياب الدفء العائلي الذي ينبع من الأم والأب، والذي يجعل من هؤولاء الأطفال عرضة لدفء الشارع المزيف.

وتابعت المتحدثة ذاتها، أنه رغم المجهودات المبذولة لإيواء الأطفال المتواجدين بشوارع الدار البيضاء، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت مرشحة للارتفاع، مردفة أن المشردين الصغار يعيشون في الشوارع كل أشكال الانحراف والإدمان ناهيك عن الاستغلال.

أوضاع”مقلقة”

أوضحت رئيسة جمعية “ماتقيسش ولدي”، أن الأطفال المتشردين يصنفون في عدة خانات، فهناك من يقطن بالشوارع ويعيش بدون مأوى، وهناك من يعمل ويقضي معظم وقته خارج البيت، إضافة إلى آخرين يعيشون رفقة أسرهم بالشارع، دون أن ننسى  أولئك الذين وجدوا أنفسهم منذ أول صرخة لهم في مأوى للأطفال.

وأضافت المتحدثة ذاتها أن هذا التصنيف يمكن أن نحصر منه المشاكل الأساسية التي تضعنا أما ظاهرة تشرد الأطفال، منها ما هو اجتماعي واقتصادي وصحي، ومنها ما يتعلق بالهجرة المناخية الداخلية.

واسترسلت نجاة موضحة حديثها بخصوص دور الجمعية في إيواء هؤولاء الأطفال، وقالت “في بعض الأحيان نكتشف هروب الأطفال والقاصرين من المآوي التي تحميهم و تغذيهم، فهناك خلل في التعامل مع الأطفال والقاصرين وفي إدارة هذه المرافق وفي السياسة المتبعة لإقناع القاصرين والأطفال واليافعين للجوء لهذه المؤسسات والاستفادة من الخدمات المقدمة لهم فيها”.

خلل في المشاريع!

ويرى محمد الطيب بوشيبة، الخبير في شؤون الطفولة، أن كل البرامج التي سبقت في مجال إدماج الأطفال في وضعية الشارع، لم تحقق المبتغى منها نظرا للخلل في المشاريع المبرمجة إضافة إلى عدم اكتمال بعضها.

وأردف أن المختصين في مجال حماية الطفولة يشتغلون على شكل جزر متفرقة، مردفا “الكل يعمل لوحده دون إشراك الفاعلين الآخرين، ودون أي تنسيق متكامل ذو بعد وطني يمس كل القطاعات”.

وتابع المنسق الوطني لمنظمة “ماتقيش ولدي”، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن هناك أطفال يتم استغلالهم من طرف عصابات تمتهن الاتجار بالبشر، إضافة إلى أطفال يشتغلون في مجموعات لحسابهم الخاص، بينما هناك آخرون يهاجرون من البوادي إلى المدن بسبب ظروف الهشاشة التي تعتبر حسبه سببا في تشريدهم، مردفا، “نحن أمام وضعيات صعبة، حيث بات اليوم الأطفال يسيرون في مجموعات منظمات استغلالية تترأسها عصابات إجرامية ولوبيات لترويج المخدرات”.

الاستثمار هو الحل

وأكد المنسق الوطني لمنظمة “ماتقيش ولدي” أن الاستثمار في مجال الطفولة هو الطريق الأقرب للتنمية المستدامة، مؤكدا أنه “لا يمكن أن نحلم بمستقبل زاهر دون الاستثمار في الطفولة التي تعتبر في مجتمعنا الحلقة الأضعف”، مضيفا “إذا أهدرنا الطفولة، فإننا أهدرنا مستقبلا كاملا”.

وأكد بوشيبة أنه رغم المساعي التي تقوم بها الجهات المختصة للأطفال في وضعية الشارع، من بينها “الإسعاف الاجتماعي”، والمجهودات والأموال الباهضة التي صرفت على المشاريع الأخيرة، إلا أننا ما زلنا نرى الأطفال في وضعية الشارع، وفي نزاع مع القانون، معتبرا أن تلك المشاريع لم تأت بالنتائج المرجوة منها.

وقال بخصوص المؤسسات السجنية ومؤسسات رعاية الطفولة التابعة لحماية الطفولة، أنها ما زالت تعج بالأطفال الجانحين والخارجين على القانون، الشيء الذي يعد سببا في اكتظاظ شوارع الدار البيضاء الكبرى ومدن أخرى بالأطفال واليافعين.

غياب أدوار الأسرة والمدرسة

وأوضح بوشيبة أن غياب المدرسة العمومية من بين أسباب انتشار الأطفال في الشوارع لأن المدرسة وجهة حقيقة للأطفال كيفما كان وضعهم الاجتماعي، مضيفا في نفس الوقت أن العنف الأسري والهروب من مؤسسات الرعاية الاجتماعية يعتبران أيضا من بين أسباب تفشي ظاهرة “أطفال الشوارع”.

واستغرب المتحدث ذاته من وجود أطفال تابعين للمنظومة التربوية يتهربون من المدارس ويلتحقون بالأطفال في وضعية الشارع، والأطفال الذين يعيشون الهشاشة وسط أسر متفككة.

وبخصوص دور الأسرة في التوعية، قال بوشيبة إن “هناك عائلات وأولياء أمور تستثمر في أبنائها في مجال الدعارة، وتسخرهم لممارسة أعمال السرقة والتسول بالشوارع الكبرى، كما أن هناك من يجعلهم يمتهنون تجارة العواطف المتمثلة في بيع الزهور والمناديل الورقية بالشارع لاستعطاف المارة دون أن تعيد هذه الأسر إنتاج نسخ جيدة مخالفة لما عاشوه في الصغر”.

ودعا الدولة والمجتمع المدني والأسرة إلى القيام بدورها في ضمان حقل الطفل في التمدرس، كما طالب الجمعيات التي تعنى بشؤون الطفل إلى ضرورة التنسيق الفعلي بينها وبين المؤسسات المعنية من أجل إنقاذ الأطفال المهملين والمشردين بالشوارع، الذين يعانون من الإقصاء والتهميش والاستغلال.

 الشارع.. “الأم البديلة”

برد ليالي شهر يناير بالدار البيضاء يجعل هذه الفئة من الأطفال تبيت في محطات القطار والحدائق العمومية والحافلات؛ يفترشون الأرض ويحتمون بدفء المحلات التجارية الصغرى، شكلهم الخارجي يوحي إلى البؤس والحرمان، وملامحهم تعبر عن العجز والضياع. منهم من يولد في الشارع ومنهم من يتحول بين ليلة وضحاها إلى أحضانه في غياب الأسرة والأم الحقيقية، لتصبح الشوارع أما بديلة، أرقامهم غير مضبوطة ولا توجد إحصائيات تؤطرهم نظرا لتنقلاتهم الكثيرة بين المدن.

هشام معروف، مختص في السياسات الاجتماعية، أكد ضمن تصريح لـ”مدار21″، أن الأدوار التي تقوم بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية محدودة جدا، مبرزا أن مراكز الإيواء المتمثلة في جمعيات حماية الطفولة تسيَّر ماليا من طرف المحسنين على اعتبارها ليست مراكز إيواء تابعة للدولة، وبالتالي فإمكاناتها المالية المحدودة، تجعل الأطفال عرضة للشارع لمحدودية الموارد واكتظاظ المراكز.

وتجدر الإشارة إلى أن سبل وآليات حماية وإعادة إدماج الأطفال في وضعية الشارع بالدار البيضاء، شكلت محور لقاء مائدة مستديرة نظمتها اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان لجهة الدار البيضاء ـ سطات بالعاصمة الاقتصادية تحت عنوتن “الأطفال في وضعية الشارع بالدار البيضاء: من الحماية إلى الوقاية”.

وقامت اللجنة الجهوية في هذا اللقاء بمقاربة تشاركية ساهم فيها عدد من الفاعلين المعنيين، حيث تم فيها تسليط الضوء على الصعوبات المتعلقة بإعادة إدماج الأطفال في وضعية الشارع، وتمكينهم من حقوقهم، فضلا عن مناقشة سبل الوقاية من تفاقم هذه الظاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News