“ملحمة” المنتخب النسوي في مونديال السيدات حصاد لرؤية ملكية في الرياضة وحقوق المرأة

استطاع المنتخب المغربي النسوي التأهل لثمن نهائي كأس العالم للسيدات، مؤكدا أن الإنجازات العابرة للحدود التي حققتها كرة القدم الوطنية خلال السنوات الأخيرة، ليست وليدة الصدفة، وإنما هي “حصاد” لرؤية ملكية سديدة في مجال الرياضة.
وللوقوف على إنجازات الحاضر، لا بد من الوقوف عند الخطوة الأولى، التي انطلقت منها استراتيجية إصلاحية مغربية في مجال الرياضة، حيث كانت المناظرة الوطنية للرياضة؛ المنعقدة شهر أكتوبر من سنة 2008، والتي تم خلالها، وبتوجيهات ملكية، والتي تم فيها تحليل واستقراء مسار الرياضة المغربية، “بذرة” لمستقبل زاهر.
ووجه الملك خلالها رسالة ملكية للمتناظرين، أكد فيها المكانة التي يجب أن تحتلها الرياضة في النسيج التنموي الوطني، باعتبارها شغفا وعشقا وموروثا شعبيا، وباعتبارها أيضا سلما اجتماعيا وواجهة براقة للبلاد وتعبيرا رمزيا عن الإنتماء للوطن، ورافعة من رافعات التنمية المستدامة.
ولا يمكن تجاهل دور أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والتي دشنها العاهل المغربي سنة 2010 بسلا، وأمر بأن تكون صرحا رياضيا متكاملا يستهدف تكوين الناشئة، “علامة فاصلة” في مسار كرة القدم والإنجازات التي بصم عليها خريجوها في السنوات القليلة الفارطة.
وانطلاقا من الأدوار المنوطة بها والأهداف التي أسست من أجلها هذه المؤسسة الرياضية، فقد نجحت الأكاديمية التي تجمع بين الرياضة والدراسة، “فعلا في تكوين وإنتاج لاعبين من المستوى العالي يشكلون اليوم العمود الفقري للمنتخب الوطني لكرة القدم الذي شارك في نهائيات كأس العالم 2022 بقطر، والذي حقق أفضل إنجاز إفريقي وعربي بوصوله إلى دور نصف النهائي.
وفضلا عن تقديمها نموذجا مرجعيا في مجال تكوين اللاعبين ومشتلا لصقل العديد من المواهب الرياضية، تعتبر الأكاديمية سر نجاح والتألق اللافت للمنتخبات الوطنية على المستويين العالمي والقاري، وكذا وراء بروز اللاعبين المغاربة في أوروبا خلال السنوات الماضية.
وهكذا، فإن الأداء المتميز لـ”أسود” وليد الركراكي في مونديال قطر يعد ثمرة سنوات طويلة من الاستثمار في تكوين اللاعبين، على غرار مهاجم نادي إشبيلية يوسف النصيري، ونايف أكرد لاعب ويستهام يونايتد الانجليزي، وعز الدين أوناحي الذي يمارس في أولمبيك مارسيليا إضافة إلى أحمد رضى التكناوتي حارس مرمى فريق الوداد الرياضي.
وتركت الأكاديمية أيضا بصمتها في منافسات كأس إفريقيا للأمم لأقل من 17 سنة، التي نظمت بالجزائر، حيث شارك في هذه البطولة القارية ما لا يقل عن تسعة لاعبين من خريجي الأكاديمية، من بين قائمة ضمت 26 لاعبا، ضمن صفوف المنتخب الوطني، الذي توج بالميدالية الفضية لكأس إفريقيا للأمم في هذه الفئة عقب انهزامه في المباراة النهائية أمام السنغال (1-2).
وتواصلت الثمار الوافرة للأكاديمية أيضا مع تتويج المنتخب الوطني لأقل من 23 سنة باللقب القاري في هذه الفئة للمرة الأولى في تاريخه بفضل مساهمة ثلاثة لاعبين من خريجي الأكاديمية في هذا الإنجاز وهم أسامة ترغالين وأكرم النقاش وحارس المرمى علاء بلعروش، الذين كانوا من بين صناع اللقب وضمان تأهل المنتخب الأولمبي إلى الألعاب الأولمبية باريس 2024.
وبعيدا عن ألقاب الرجال، استطاعت “لبؤات الأطلس” إثبات أنهن قادرات أيضا على حصد الإنجازات، وذلك تأكيدا للمكانة التي أصبحت تحتلها المرأة المغربية في مختلف مناحي الحياة والقطاعات، وهي مكانة شهدت؛ منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش أسلافه، تحولا ومنعطفا تاريخيا على جميع المستويات، وبشكل خاص في المجال الرياضي.
وكذلك الدستور المغربي الصادر سنة 2011 الذي جاء نتيجة الخطاب الملكي السامي ليوم 9 مارس، شكل ثورة في مجال الحقوق والحريات وفي مقدمتها حقوق المرأة المغربية، الذي نص بوضوح على العديد من الحقوق والمبادئ والمعايير ذات الصلة بحقوق المرأة كما تضمنتها العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
كما حظر أي شكل من أشكال التمييز بسبب الجنس وضرورة تمتع المرأة والرجل على قدم المساواة بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية تعزيزا لمبدإ المناصفة بين الرجل والمرأة و مكافحة جميع أشكال التمييز.
وبدأت رحلة المنتخب النسائي إلى المونديال بوصوله إلى المربع الذهبي لكأس أمم إفريقيا، وحجز تذكرة المشاركة إلى نهائيات المونديال للمرة، كأول منتخب عربي يحقق هذا الإنجاز الكروي غير المسبوق، معززا بذلك الطفرة النوعية التي تعيشها كرة القدم المغربية بالوصول إلى المباراة النهائية التي آلت لمنتخب جنوب إفريقيا (2-1).
وعقدت “لبؤات الأطلس” العزم على تعويض فقدان اللقب الإفريقي في نهائيات كأس العالم المنظمة حاليا بأستراليا ونيوزيلاندا، فجلعن من الثالث من غشت 2023، يوما تاريخيا، انتصرت فيه المغربيات على كل الأفكار التي تعتقد أن المرأة المغربية لا تستطيع المنافسة في كل المجالات، وأن “كرة القدم تليق بالنساء” أيضا، يتأهلهن للمرة الأولى في تاريخ كرة القدم المغربية والعربية إلى ثمن نهائي مونديال السيدات.







