رأي

علاقة الرأسمالية بالطوائف البروتستانتية في فكر “ماكس فيبر”

 

 

 

 

إن منطلق الفصل بين الكنيسة والدولة في نظر ماكس فيبر كانت في أمريكا إذ تؤكد هذه الأخيرة بحرية المعتقد والتدخل فيه من طرف الدولة مخالف للقانون على اعتبار أن الدولة الأمريكية تجهل الأديان جهلا مطلقا ولا تطرح السؤال عن الإنتماء الديني، عكس ماهو عليه في أوربا التي نجد فيها الكنيسة تتمتع إلى حد ما بالإمتيازات والنفقات التي يؤديها أفراد المجتمع وتصل إلى 1000 دولار. هذه النفقات في نظر ماكس فيبر تدفع المؤمنين أي الذين يدفعون هذه الضرائب إلى الهجرة نحو مدن أخرى و التي يغيب فيها الشعور بالانتماء الديني الذي كان في السابق أكثر عمقا و ثباتا [1].

من هنا نفهم إذن أن النظام الكنسي يعتبر المنتمين إليه مكسبا مهما وجب الحفاظ عليهم للإنفاق على الكنيسة

كان سؤال [ إلى أي كنيسة تنتمي؟] محور تأسيس العلاقات الاجتماعية لدى المجتمعات المسيحية التي حافظت عليه منذ القديم[2]. للإجابة عليه نلخص بعض الملاحظات التي أوردها “ماكس فيبر” في ختام حديثة في هذا الفصل وهي كالتالي:

قدم ماكس فيبر بعض ملاحظاته الشخصية لفهم الواقع من خلال موقف شاهده في القطار من طرف شخص يقوم بحركة تعبر عن شعور ديني كان تأثيره قويا في حين عبر السائح التاجر عن حرية الإعتقاد . الملاحظة الأخرى مع طبيب ألماني الذي قال له أحد المرضى وهو يفحصه (سيدي أنا عضو في الكنيسة المعمدانية في المكان كذا..) وتفاجئ الطبيب باستغراب أي أهمية للإنتماء في وضعية الفحص[3] .

إن شرط الإنتماء الكنسي والإنتساب لإحدى طوائفها متعددة ومرتبطة بالسلوك الممتد منذ الطفولة الأولى كما أنها تخضع لاختبار دقيق وأبحاث مفرطة الدقة.

إستنتج “ماكس فيبر” من هذه الملاحظات أن هذه الظواهر كانت تحدث في المناطق الأكثر تنوعا والنجاح في أعمال التجارة رهين بالإنتماء للطائفة المعمدانية، كما أن الإنتقال أو السفر للتجارة تتطلب الحصول على شهادة محررة من الطائفة التي ينتمي إليها المسافرن، الشيء الذي يأمن إعتمادات مالية ويلقى دعم الطائفة في حالة الخسارة أو حالة الديون ويتلقى منها العون بكل الأشكال وبالأحرى كان الإنتماء للطائفة بالنسبة للفرد معادلا لشهادة تصنيف أخلاقي تشهد بشكل خاص على أخلاقيته في العمل[4].

من هذا المنطلق فالإنتماء إلى الكنيسة أمر إلزامي حسب ماكس فيبر باعتبار هذه الأخيرة انشئت في سبيل النعمة والخلاص وليس من وسعها أن تثبت شيئا فيما يتعلق بفضائل أفرادها بل إن الطائفة الدينية هي التي تحدد المواطنية أو اللامواطنية السياسية وتحكم على ذلك حسب ما يكون الفرد قد أثبت أم لم يثبت أهليته الدينية من خلال سلوكه[5].

تميزت الطوائف البروتستانتية بإيمانها بفكرة مباركة الآلهة للثروة وخاصة في بداية فترة الرأسمالية وهي الطائفة الوحيدة التي أضفت الإستمرارية والتماسك على ظاهرة الرأسمالية وبالتالي أحدثت ما سماه “ماكس فيبر” بالنزعة الطائفية.[6]

إن الطائفية الكنسية كانت منطلق الصراع الداخلي والخارجي داخل البروتستانتية عبر عصور عديدة بين مبدأ الكنيسة كتنظيم إداري والطوائف كتجمعات أعضاء لهم معرفة بالشأن الديني، وقد أشار ماكس فيبر في الكتاب  إلى فكرة نقاء القربان التي توليها الكنيسة بكل طوائفها اهتماما بالغا باعتبارها مؤسسة تدير شؤون النعمة الإلاهية.[7]

إن النظام الكنسي حسب ماكس فيبر هو بالأحرى نظام أخلاقي لدى الطوائف المسيحية التي تنظم نفسها وأهميتها تكمن في الحفاظ على الطائفة السرية بل إن الكثير من الطوائف يعتبرون الدعوة إلى محاكم الدولة أمرا محرما لأن الطوائف والملل لكل واحدة منهم خصائص تميزها عن الأخرى.[8]

[1]  ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد، مراجعة جورج أبي صالح، منشورات مركز الإنماء القومي، ص 172/173

[2]  نفسه، ص 173

[3]  ماكس فيبر، مرجع سابق، ص 173،174 بتصرف.

[4]  نفسه، 174

[5]  ماكس فيبر، مرجع سابق، ص 175

[6]  نفسه، ص 179،180

[7]  نفسه، 181

[8]  نفسة ص 183.185.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *