فن

قزم الكريسماس ينشر الرعب في “جزيرة الجن”.. والمؤلف يقتل البطلة بلا مبرر

منذ عشرات السنوات، يخوض صناع الصورة في العالم سباقا محموما لصناعة مخلوقات غريبة. وإذا كانت مخلوقات مارفل هي الأشهر، فإن ثمة عالما آخر من المخلوقات قدمه جيمس كاميرون بنجاح في فيلمه “أفاتار” بجزئيه الأول والثاني. وبين نجاحات تجاوزت الآفاق وشاهدها الجمهور بحثا عما يتجاوز ملل الوجوه المكررة في حياته، وعن القوة المطلقة في أحيان أخرى، يقدم بعض المبدعين كائنات جديدة تبدو شديدة الشراسة، ولكنها إنسانية بشكل ملحوظ.

ويجد صناع الصورة في الكائنات الغريبة فرصة لفرض قناعاتهم أحيانا، إذ يقدمون من خلال عالمها الجديد نسبيا ما يرغبون في قوله بأنفسهم، وهو ما يضعف العمل الفني من جهة، ويقصف عمر هذه الشخصيات من جهة أخرى رغم أن بعضها قد يستحق حياة أطول من مسلسل قصير في 6 حلقات.

جن أرضي

استعان صناع مسلسل “جزيرة الجن” (Elves)، الذي يعرض عبر خدمة نتفليكس بقزم الكريسماس الشهير، ليعيدوا تشكيله على هيئة ابن لجماعة من الجن تتميز بالشراسة والضخامة، وتسيطر على جزيرة كاملة بسكانها الذين يمارسون من أجلهم طقوسا أقرب للعبادة.

عمل من 6 حلقات لا تتجاوز مدة كل منها نصف ساعة، لكنها تقدم ملامح لمجتمع شبه منسي في الأرخبيل الدانماركي. ورغم أن الجزيرة خيالية، لكن المجتمع نفسه حاضر بقيمه، ورغبته الدائمة في الانعزال حفاظا على غابته الخاصة، وأشجارها، ومقدساته التي تنتمي إلى جن أرضي لا علاقة له بعالم الجن الذي نعرفه.

تبدأ الأحداث حين تصل أسرة حضرية غنية للغاية تتكون من الأم شارلوت (ليلا نوبل) والأب مادس (بيدر توماس بيدرسن) وأولادهما كاسبر (ميلو كامبانالي) وجوزفين (سونيا ستين) إلى جزيرة “أرماند” الخيالية، لقضاء عطلة عيد الميلاد الهادئة للغاية. لكنهم يواجهون حادثا بسيطا على الطريق، حيث صدمت سيارتهم بشيء لا يعرفون ما هو، لكنه ينزف سائلا أسود غير معروف على السيارة.

وتتفاجأ الأسرة بأشخاص غير ودودين، يحذرونهم من التجول ويعبرون عن عدم سرورهم بحضور أغراب إلى جزيرتهم، ويقود الفضول الابنة جوزفين إلى العثور على “طفل الجن” مصابا، وتدرك أنه ذلك الشيء الغريب الذي أصابته سيارة والدها، وتبدأ في علاجه بعد وضعه في المنزل.

ويؤدي انفصال الجني الصغير عن جماعته إلى الإخلال بتوازن ما يعيشه الجن والبشر، وتنشب معارك متفرقة تؤدي إلى قتل اثنين من البشر، وفتح البوابة التي تفصل بين العالمين وهو ما يمثل خطورة على البشر ويهدد بفنائهم.

فكرة مبتورة

صنع “جزيرة الجن” خصيصا للمشاهدة في أعياد الميلاد، والتي ترمز بدورها للم شمل الأسر التي ينشغل أفرادها طوال العام بحياتهم، وأيضا لتجاوز ما قد يكون بين أفرادها من أزمات في علاقاتهم، لكن هذا العمل لا علاقة له بالأمر، إذ جاء عبارة عن مسلسل رعب قصير في 6 حلقات.

“جزيرة الجن” عمل ثري ينم عن بخل صانعيه بالجهد المطلوب ورغبتهم الشديدة في الانتهاء من صناعته سريعا، رغم ما يحويه من بذور حقيقية لفكرة مسلسل من عشرات الحلقات والأجزاء، خاصة أنه يستعين برمز مرتبط بالكريسماس وهو “قزم الكريسماس” في تصميمه للمخلوق المرعب الذي أطلق عليه “الجن” داخل العمل، وهو اسم له دلالاته التي توحي بالرعب في الشمال الأوروبي.

وقد بنى مؤلف العمل علاقة مركبة بين سكان الجزيرة وذلك الكائن، حيث يتم التضحية من أجله في مواسم محددة بإهدائه الماشية، ويتم الفصل بينه وبين البشر بأسوار مكهربة، ولم ينس الدفع بكل هذه الرموز لصالح حماية الغابة، والطبيعة من التغيرات المحتملة بسبب المشروعات الصناعية التي سبق وأن حاول البعض إنشاءها وأدت إلى إزالة الأشجار.

وقدم صناع العمل أكثر من مشهد للتأكيد على تقديس أهل الجزيرة للجن، لكنها لم تكن إضافة حقيقية للعمل، ولو حذفت فلن تؤثر على الإيقاع أو البناء القصصي.

وأدان صناع العمل المرأة التي تقوم على رعاية الغابة وتقود القرية، في سلوك أشبه بالقيادة الدينية، فلم تبتسم مرة واحدة طوال العمل، وأظهر اهتمامها بحفيدتها ليف (فيفيليل سوغارد هولم) لتقود أهل الجزيرة من بعدها، بينما الحفيدة تتململ وتفكر جديا في الهروب إلى المدينة.

بنات وأبناء

يحمل المشهد الافتتاحي تحذيرا واضحا بأنه لا يجوز العبث بأي شيء في الغابة، حيث يقوم المزارع مولر (راسموس هامريش) بربط بقرة وسط دائرة سوداء وبعد لحظات يتم افتراسها، بينما يتسلل المزارع خارجا بخوف وحذر، وفي المقابل نجد الفتاة الصغيرة (جوزفين) ابنة الأسرة التي وصلت لقضاء الإجازة بالجزيرة تتسلل بدافع الفضول لتكون المحرك الرئيسي للدراما المرعبة التي تلت ذلك المشهد.

وقدم المسلسل نمطا في التعامل مع أخطاء الابنة، إذ تفزع الأم وتنطلق لتهدئتها ويساعدها الأب، وهكذا منذ بدء اكتشافها للجني القزم، وتسببها بمقتل أول بشري، وحتى تسللها للغابة والتسبب بفتح بوابة الرعب على الجزيرة بأكملها، وبعيدا عن كون الأمر يبدو سخيفا ونمطيا بعض الشيء من قبل المؤلف الذي كان يمكنه الدفع بشخص آخر للتسبب بعض الرعب، فإن تعامل الأسرة مع ابنيها جاء خاليا من الإرشاد الأبوي، ومفعما بتلك العاطفية الشديدة دون أدنى قدر من محاولة تحميل كل شخص مسؤولية أفعاله، وهو ما لفتت النظر إليه سيدة الجزيرة وحامية معتقداتها وهي الجدة كارين (آنا اليانور) ولكنها لقيت مصيرها في النهاية، حيث افترستها كائنات الجن.

وقتلت الجدة التي كانت تحفظ سلام الجزيرة بعد أن أفقدها صناع العمل كل تعاطف ممكن، إذ أرادت أن تقدم جوزفين ضحية لحماية الجزيرة، وأيضا لتتحمل مسؤولية ما أحدثته من فوضى، وهو حكم يكاد يكون المؤلف هو صاحبه وليس منطق الأحداث، إذ يقدم المخرج الجدة من البداية كشخصية منفرة وحازمة بلا عاطفة، ليصنع منها في النهاية شخصية شريرة، ومن ثم ينهي العمل بمشهد انضمام “ليف” التي كان ينبغي لها أن ترث القيادة عن جدتها إلى سكان المدينة في رحلتهم للعودة.

ولعل الأزمة الحقيقية في الصناعة المتعجلة للأعمال الدرامية هي تلك المقولات التي يرغب المؤلف في الدفع بها كرسالة لعمله، من دون أن يكون منطق الأحداث هو الحكم على الأمور.

وتحتاج الشخصيات الدرامية في أي عمل فني إلى قدر من الاحترام يليق بكونها تقدم لمشاهد ذكي يستطيع التمييز بين مقولات الشخصية ومقولات صانع العمل التي يضعها على ألسنة أبطاله عنوة، دون أن تكون صفاتهم الشخصية أو يكون منطق الأحداث دافعا لها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *