ثقافة

“انويكة” يُطل من أبراج تازة على ماضي المدينة لإهداء عشاقها صفحات من تاريخها

“انويكة” يُطل من أبراج تازة على ماضي المدينة لإهداء عشاقها صفحات من تاريخها

طالما التحفت مدينة تازة، العالقة من خلال موقعها بجبال الأطلس المتوسط جنوبا، والمطلة على الممر الشهير باسمها وعلى مقدمة الريف شمالاً، كثيرا من السحر والجمال الآسر الذي أخذ بلب عشاقها، غير أن الغوص في التاريخ لبحث أسرار هذا الجمال لم يجرأ عليه كثيرون، إلا أن عبد السلام انويكة، أستاذ التعليم العالي في التاريخ بمدينة فاس، قرر اعتلاء أبراج المدينة والعودة إلى عصور سالفة لقطف صفحات غنية من تاريخ المدينة العريق، مقدما إياها بين دفتي كتاب، هو إهداء لكل المتيمين بهذه المدينة.

ذات يوم أطلق المؤرخ الراحل عبد الهادي التازي نداء لأبناء المدينة، معتبرا أن عليهم تقع مسؤولية كتابة تاريخ مدينتهم وعليهم وحدهم تقع تبعة التعريف بهذه الماسة، التي قال عنها بأنها ليست إسما لمدينة فقط، بل رباط جهاد تحطمت على أبوابه سائر المناورات، ومركز عِلْمٍ أسهم في صنع رجال فكر وسياسيين ودبلوماسيين، وهو النداء الذي استقبله انويكة بعرفان كبير مترجما إياه في كتاب سيغني الخزانة المحلية.

إغناء للخزانة محلية

وعلى ذكر الخزانة المحلية، يقول الدكتور انويكة، في حديثه لـ”مدار21″ أنها تشهد نصوصا شافية وكافية حول مدينة تازة، في علاقتها بتاريخ المغرب وتاريخ الغرب الإسلامي. مؤكدا أن هذه المدينة كانت معادلة مهمة جدا في تاريخ المغرب، خاصة العصر الوسيط والحديث، موردا أن الكتاب جاء للإجابة على الأسئلة التي يطرحها القراء عموما والمهتمين والباحثين والمنفتحين على تاريخ مدينة تازة خاصة.

ويفيد انويكة “تازة تمتلك من التراث والذخيرة المادية واللامادية الكثير، لأنها ذاكرة تاريخية، وبالتالي لتجميع هذه المعلومات والوثائق جاء هذا الكتاب الذي استحضر قراءة خاصة لزمن تازة واهتم بالتاريخ المحلي والجهوي”.

بتاريخ قديم وتأثير وتأثر كبير، باعتبارها نقطة اتصال بين شرق البلاد وغربها، تجعل تازة الباحث في تاريخ مُقتحِماً لتفاعلات غير منتهية حول ما تم فرزه عبر مساراتها على منحى تاريخ البلاد، غير أن تاريخها لا يستقيم الحديث عنه دون رجوع لِما حام حول علاقتها بمارين عبرها منذ القدم، وهو ما يجعل من تناوله أكثر ارتباطاً بمحورية الموقع لكل قادم إليه ومتوجه منه.

تازة عصية على التطويع

جغرافية تازة انتصبت سداً منيعاً في وجه كل محاولات التطويع، فضلاً عن أن مكونها قبلي بردوده في علاقته بالسلطة جعلها تنتزي في مجالها دون جعل بناء كيان شأنا لها، كما قبائل”صنهاجة- مصمودة- بنو مرين..” اللواتي كان لها سبق بناء أحلاف وإعلاء عصبية.

إشارات بقدر كبير من الأهمية التاريخية استهل بها الأستاذ الحسن الغرايب الباحث في تاريخ المغرب الوسيط بفاس، تقديماً لكتاب موسوم بـ”تازة..صفحات من تاريخ مدينة” صدر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر.

ولعل هذا الاإصدار الذي جاء في ثلاثمائة وإثنتين وعشرين صفحة من قطع متوسطة بدعم من وزارة الثقافة، يقدم تازة في عز حدثها التاريخي ضمن مسار دول مغرب العصرين الوسيط والحديث، مستحضراً مجال المدينة وموقعها باعتباره عنصراً موجهاً للتاريخ وصانعاً لتدافعات غير منتهية خلال فترات ازدهار المدينة وتقلصها.

تازة “بنو مرين”

الكتاب، وفق حديث مؤلفه لـ”مدار21″، أخذ من زمن “بنو مرين” الذي بلغت فيه تازة أقصى فترات ازدهارها ونموها نقطة مرجعية، ذلك أن تازة كانت المدينة الثانية بعد فاس حينها، من حيث العناية والاهتمام الذي أولاه بنو مرين لتازة، التي احتضنتهم ووفرت لهم ما يكفي من الدفء لتقوية موقعهم وقوتهم من أجل السيطرة على البلاد وبناء دولتهم التي تركت بصمة كبيرة في تاريخ المغرب كحضارة متميزة.

اهتم الكتاب، وفق مؤلفه، بمدينة تازة ما قبل الدولة المرينية وما بعدها، حيث يعود الكتاب إلى نشأة مدينة تازة إلى جدود نهاية العصر الحديث مع السلطان محمد بن عبد الله. والكتاب استحضر كل المعالم المرتبطة بمدينة تازة، سواء المعالم ذات الطابع الديني مثل المساجد والجوامع والزوايا والأضرحة وغيرها، إضافة إلى استحضار الحصون والأبراج العسكرية الكبرى والمتميزة.

الشخصيات العلمية والدينية لمدينة تازة، من فقهاء وأعلام ومفكرين، الذين ارتبطوا بتاريخ المدينة منذ العصر الوسيط، كان لهم أيضا نصيب داخل هذا الكتاب. إضافة إلى التطرق إلى جانب التعمير وكيف بدأت حياة الإنسان وكيف تطورت المدينة وكيف اتسع مجالها الحضاري، وكيف هي الآن تشكل فسيفساء من الساحات والأبواب والأقواس والجوامع والمكونات الأثرية المادية وغير المادية، التي تجعل منها مدينة تاريخية بامتياز.

وحول سر الاختيار، اعتبر عبد السلام انويكة أن توثيق هذه المعلومات يجعل من المدينة تبرز مؤهلاتها بأنها جزء من تاريخ المغرب، هذا الأخير الذي يتوفر على ذخيرة كبيرة، وتاريخ شامخ بالنسبة للحضارة الإنسانية وتاريخ الغرب الإسلامي.

لحظة إنصات لزمن مدينة

كتاب “تازة صفحات من تاريخ مدينة” لحظة إنصات لزمن مدينة زاخرة بوقائع ومعالم وتفاعلات، تاريخها تاريخ إنسانية إنسان وتنوع وتفاعل وتكامل، الوعي به كتراث يقتضي استثماره في بناء حاضر المدينة ومستقبلها.

ولا شك أن مدن المغرب العتيقة كذخيرة هامة لا تزال بحاجة لجهود الأبحاث والباحثين لِما هناك من أوجه ومستويات عدة ومتداخلة لم تدون بعد. وعلى أهمية ما تراكم يبقى تاريخ كثير منها في حكم النادر والمجهول، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالعصرين الوسيط والحديث ناهيك عن القديم. وبقدر ما ماضي تازة ومعها عدد من مدن البلاد العتيقة لا يزال بمعرفة غير شافية، بقدر ما كانت بأدوار هامة على أثر من صعيد خلال العصرين الوسيط والحديث، كفترة جديرة ببحث وتمحيص وكشف لكثير من التجليات.

ولعل من يفقه قليلاً في تاريخ المدن من خلال مواقعها، يقول المؤلف في فقرة بصفحة الغلاف الأخيرة، يجد نفسه بدهشة وهو يتأمل مدينة عالقة بجبل الأطلس المتوسط، مطلة من شرفتها على ممر شهير باسمها يصل شرق البلاد بغربها حيث جوانب هامة ومتشعبة من زمن المغرب. تلك هي تازة التي توحي بعمر زمني ممتد وقدم تاريخي وعظمة معالم وعلامات، بقدر ما البحث فيها عمل مشوق بقدر ما للموضع إنسان وخواص وتفاعلات شكلت مجتمعة روح مكان.

وقد تأسس كتاب “تازة.. صفحات من تاريخ مدينة” على ببليوغرافيا غنية، مع أهمية ما يمكن أن تسهم به الدراسات الأركيولوجية التي لا يزال وقعها محدودا جداً، باستثناء ما حصل من تنقيب حول المدينة من قِبل “كومباردو” الضابط في الشؤون الأهلية الفرنسية على عهد الحماية، فضلاً عما يسجل من غياب لوثائق أسر ودفاتر أحباس ومخطوطات خاصة بالمنطقة وغيرها.

أزمنة تازة

وقد جاء زمن دولة بني مرين مَفْصلاً في كتاب “تازة.. صفحات من تاريخ مدينة” تحقيبياً، لِما طبع هذه الفترة من إشعاع وما ميز هذه الحاضرة العتيقة من بروز، وعليه جاء الكتاب موزعاً بين حدثين مؤسسين، الأول منهما يتعلق بنشأة دولة الأدارسة وبيعة مولاي ادريس الأول، أما الثاني فارتبط ببداية الحداثة المغربية نهاية القرن الثامن عشر على عهد السلطان محمد بن عبد الله.

وقد تقاسمت الكتاب محاور أربعة متكاملة زمناً وتيمة ونهجاً خصص الأول منها لمِا هو فزيائي شمل موضع المدينة وجوارها، أما الثاني فنتناول بعض وقائع المنطقة وتطوراتها خلال العصر الوسيط والحديث منذ الأدارسة مروراً بالمرابطين والموحدين والمرنيين والوطاسيين والسعديين ثم العلويين. أما ثالث المحاور فقد توجه لرصد عمارةٍ وتعميرٍ تاريخي وسياقات ذات صلة عبر فرز وتمييز بين ما هو ديني وعلمي واجتماعي ودفاعي، ليستحضر آخر محاور الكتاب بعض أعلام تازة ممن كانوا بشأن في أمر دين وفقه وتصوف ومجتمع وسياسة.

والكتاب أبرز جوانبا من تاريخ تازة خلال هذه الفترة من زمن المغرب بناء على ما توفر من مرتكز ووثائق، في غياب تأليف خاص بالمدينة خلال هذه الفترة. وحتى وإن كان فهو في حكم المجهول كمؤلَّف” تقريب المفازة إلى تاريخ تازة” لعلي الجزنائي، مما قد يكون وراء ضياع كثير من أخبار المدينة ووقائعها خلال هذه الفترة، وأن ما تبقى ليس سوى شتات اشارات هنا وهناك بمصادر تسمح إلى حد ما بفكرة حول مكانة تازة في تاريخ البلاد، يضيف الأستاذ المتخصص في التاريخ.

وكان تثمين ما هو لامادي، وفق عبد السلام انويكة، من مقاصد هذا الكتاب الذي يدخل ضمن ما اتجهت إليه عناية باحثين ومهتمين بعدد من حواضر المغرب، باعتباره مساراً وورشاً مفتوحاً كرهان تنموي ترابي. علما أن تازة هي بزمن مشرق ومجال وتاريخ فكري وعلمي وسياسي واجتماعي ودفاعي.. وكذا بعمران وأعلام وعلماء وتجليات جمعت بين تميز ونبوغ عبر العصور، وهو ما لايزال بحاجة ليس فقط لمزيد من البحث والتعريف، بل أساساً لحسن تدبير وحكامة استثمار باعتباره رأسمالا رمزياً للمنطقة بجعل موارد الزمن في قلب نماء وتدبير مجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News