رياضة

نهضة بركان.. إنجازات من صنع “رجل سلطة” أم نموذج كروي قادر على الصمود؟

نهضة بركان.. إنجازات من صنع “رجل سلطة” أم نموذج كروي قادر على الصمود؟

شهدت خارطة كرة القدم الوطنية في السنوات الأخيرة تغيُّرات كبيرة، كانت العلامة الأبرز فيها ثورة فوزي لقجع مع فريق نهضة بركان، الذي أصبح من الأرقام الصعبة في معادلة الدوري الاحترافي وكأس العرش، كما أضحى صيته يتردد في مختلف أرجاء القارة السمراء بفعل حضوره المتواتر في مسابقة كأس الكونفدرالية.

الملاحظ لمسار نهضة بركان عبر التاريخ لن تخطئ عينه القفزة الكبيرة التي عاشها، وما يزال، “البرتقالي” في حقبة رئيسه السابق، فوزي لقجع. ثورة كروية ينعم فيها الفريق منذ سنوات، بدأت بالتحديد منذ إدراكه حلم الصعود إلى قسم الأضواء عام 2012، تحت قيادة الرئيس الحالي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي ينسب إليه الكثيرون الفضل في كل الإنجازات التي حققها الفريق، حد اعتبار فئة من الجماهير أن تقلّد لقجع للعديد من المناصب بالمغرب (الجامعة) وبالخارج (الكاف والفيفا)، ساهم بشكل مباشر في “تعبيد” الطريق أمام الكتيبة البرتقالية لمعانقة الأمجاد محليا وقاريا، كما قارنته بفرق ارتبط تألقها في فترات زمنية برجال السياسة على غرار نهضة سطات مع ارديس البصري، وزير الداخلية السابق في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، والكوكب المراكشي مع الحارس الشخصي للملك الراحل الحسن الثاني، محمد مديوري، واتحاد سيدي قاسم مع الحسين الدليمي، أب وزير الداخلية السابق، أحمد الدليمي.

بيد أن الدكتور منصف اليازغي، الباحث المغربي المتخصص في السياسة الرياضية، يرى أن هذه المقارنة لا تستقيم، لأن الأمر “يتعلق برجالات سلطة في زمن معين تحكمت فيه سياقات وضغوطات وممارسات أخرى، التي من المستحيل أن تكون في مثل هذا الوقت”.

سنوات عجاف بلاعبين كبار

قبل عام 2012، لم يكن نهضة بركان فريقا يتوفر على قاعدة جماهيرية خارج مدينة بركان، فقد لازم، منذ تأسيسه، القسم الوطني الثاني وأقسام الهواة، إلا في بعض الاستثناءات التي كان يحقق فيها الصعود إلى الصفوة.

وتعد الأعوام ما بين 1979 و1986 الفترة الذهبية للفريق البرتقالي، وكان حينها في القسم الوطني الأول، وحقف فيها وصافة الدوري في موسم (82-83) وهو الإنجاز الأبرز لفارس مدينة الليمون منذ تأسيسه سنة 1938، كما نال نجمه حميدة بوسحابة لقب هداف الدوري في موسم (85-86)، ليبلغ سنة 1987 نهائي كأس العرش ويخوض المباراة سنة (1988) بعد نزوله إلى القسم الثاني ومغادرة أبرز نجومه، فخسر برباعية أمام الكوكب المراكشي، ومنذ ذلك الوقت لم يستطع الفريق البرتقالي الصعود إلى دوري الدرجة الأولى حتى عام 2012.

ومرّ من نهضة بركان لاعبون كبار على غرار حميدة بوسحابة هداف البطولة الوطنية موسم 1985-1986، ميمون العمراوي، المدافع فوفة، وصولا إلى الإخوة البرازي، الهاشمي وعبد القادر ومنير وفوزي، لكنهم لم يخلّدوا أسماءهم في السجل التاريخي للفريق بالألقاب.

لقجع.. المُخَلِّصْ

وتولي فوزي لقجع رئاسة نهضة بركان سنة 2009، وأخذ على عاتقه مهمة كتابة تاريخ جديد للفريق البركاني.الذي كان ما تزال الأمواج تتلاطمه بين القسم الثاني والهواة، إذ لم يستطع تحقيق حلم الصعود لـ25 عاما.

بعد مسومين فقط، انتشل لقجع الفريق، الذي لعب لفئاته السنية الصغيرة فقط قبل التفرغ لدراسته، من مواجهة فرق الأحياء إلى مقارعة كبار الأندية الوطنية والقارية ابتداء من موسم 2012-2013، الذي أنهاه سابعا. لهذا، يعضد اليازغي موقفها، في تصريح لجريدة “مدار21″، بأن نموذج نهضة بركان “متفرّد” لا يمكن إسقاطه على أي تجربة أخرى، وأوضح قائلا: “لقجع بدأ مع الفريق من الهواة، وهناك صور في ملاعب تُرابية تثبت ذلك عندما كان موظفا عاديا في وزارة المالية، وكان له علاقة وطيدة مع الفريق، وشيء عادٍ أن يكون لأي منا ارتباط بفريق مسقط رأسه، ويساعده بشكل أو بآخر”.

ويؤكد الباحث في السياسات الرياضية أن مسار صعود نهضة بركان من الهواة إلى قسم الكبار كان “مسارا طبيعيا على غرار فرق كثيرة مثل شباب أطلس خنيفرة وشباب قصبة تادلة ونهضة الزمامرة…”، مشددا على أن الفضل في ذلك (الصعود) يعود إلى فوزي لقجع الذي لم يكن رجل سلطة آن ذاك وعرف كيف يستغل مهاراته المالية والتدبيرية و”حسس رجالات المدينة والسلطات بأهمية وجود الفريق في القسم الأول لإحياء ماضي فريق كان يقام له ويقعد في الثمانينات، رفقة جيل بوسحابة”.

وفي شتنبر 2013، أي سنة واحدة على تحقيق حلم الصعود، سيتمكن فوزي لقجع من انتزاع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، خلفا لعلي الفاسي الفهري. تزامنا مع هذه الفترة، بدأ طموح الفريق البركاني يكبر. إذ في سنة 2014 سيبلغ نهائي كأس العرش، لكنه خسره أمام الفتح الرباطي (2-0) ليضيع حلم أول تتويج.

المنعطف الحاسم.. أوّل الغيث قطرة

وشكّلت سنة 2018 نقطة تحوّل داخل نهضة بركان، بعدما تمكن الفريق من معانقة أول لقب في تاريخه، وجاء ذلك في مسابقة كأس العرش على حساب الوداد الفاسي بالضربات الترجيحية (3-2) في النهائي الذي انتهى بالتعادل (2-2) بملعب الأمير مولاي عبدالله بالرباط.

الكأس الفضية فتحت شهية ممثل مدينة الليمون على ألقاب أخرى، فحاول جاهدا صعود “بوديوم” الدوري الاحترافي، لكن أقصى ما ناله حتى الآن المركز الثالث في موسم 2019-2020، بيد أن البركانيين وجدوا ضالتهم في مسابقة كأس الكونفدرالية الإفريقية، التي أضحت مغربية بالتخصص في السنوات الأخيرة.

وحافظ نهضة بركان على مشاركته في كأس “الكاف” في النسخ الخمس الأخيرة، فبلغ النهائي لأول مرة في تاريخه سنة 2019، وخسر أمام الزمالك المصري بالضربات الترجيحية (3-5) بعدما فاز كل فريق بملعبه (1-0). لكن زملاء محمد عزيز عادوا ليثأروا لأنفسهم في النسخة الموالية وتوجوا باللقب لأول مرة في تاريخ النادي على حساب بيراميدز المصري بهدف يوسوفو دايو (1-0)، علما أن اللقب القاري دخل خزينة ممثل كرة القدم الوطنية بعدما استقال فوزي لقجع من رئاسة الفريق.

لقجع يترجّل.. “ابن الوز عوّام”

ترجل لقجع عن صهوة النهضة البركانية في 22 غشت 2019. وشكّل القرار صدمة في الأوساط الكروية المغربية، التي لم تكن تتوقع أن ابن مدينة بركان قد يتخلى عن كرسي الرئاسة ليتفرغ للمناصب العديدة التي يشغلها، سواء على المستوى الرياضي؛ محليا وخارجيا، أو على المستوى الحكومي داخل وزارة المالية.

وأرجع مسؤولو نهضة بركان الاستقالة إلى استجابة لقجع للخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الـ20 لتربعه على العرش عندما قال في حديثه عن النموذج التنموي الجديد: “المرحلة الجديدة ستعرف إن شاءالله، جيلا جديدا من المشاريع، ولكنها ستتطلب أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيآت السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة”.

وترك لقجع مكانه لنائبه، حكيم بن عبدالله، الذي تولى قيادة الفريق في السنوات الموالية نحو ألقاب عجز الفريق عن الفوز بها في حقبة الرئيس السابق، وهو تأكيد واضح بأن نجاحات الكتيبة البرتقالية تعود بالأساس إلى الهيكلة النموذجية للفريق وليس محاباة لشخص رئيس جامعة الكرة، حسب ما أوضحه اليازغي في تصريحه للجريدة.

وأوضح متحدثنا أن “المرحلة التي تبين أن الفريق أخذ مساره وأنه لم يعد بحاجة إلى شخص لقجع هي عندما غادر المكتب المسير، وهي ربما لأول مرة في تاريخ كرة القدم المغربية التي نجد فيها رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بدون فريق”.

كأس “الكاف”.. العصر الذهبي الجديد

عكس ما كانت تتوقعه فئة من الجماهير، لم تؤثر مغادرة لقجع على مسار النادي البرتقالي، إذ تمكن في العام الموالي من مغادرته (2020) من اعتلاء منصة تتويج مسابقة كأس الكونفدرالية الإفريقية للمرة الأولى في التاريخ، على حساب بيراميدز المصري (1-0)، معوّضا خيبة أمل النسخة السابقة التي خسرها في النهائي أمام الزمالك.

ولم تتوقف شهية نهضة بركان عند هذا الحد، فبالإضافة إلى مشاركته المتتالية في كأس “الكاف”، سيستطيع بعد عام (2022) من العودة للتتويج بالمسابقة، خلفا للرجاء الرياضي، وجاء اللقب هذه المرة على حساب أورلاندو بايراتس الجنوب إفريقي بنيجيريا بالضربات الترجيحية، محققا لقبه الثاني في المسابقة في وقت وجيز.

ولم يترك ممثل الشرق، تحت إمرة المدرب المدرب فلوران إيبينغي، الذي رحل عن تدريب الفريق بنهاية الموسم المنصرم، الفرصة تفوته دون أن يحرز لقبا آخر، خطفه هذه المرة أمام بطل إفريقيا والمغرب، الوداد الرياضي، في نهائي كأس العرش المُجرى في 28 يوليوز الماضي بملعب الأمير مولاي عبدالله بالرباط، ليتفوق الرئيس الشاب على حقبة فوزي لقجع بثلاثة ألقاب (كأس الكاف 2019 و2022 وكأس العرش 2022) مقابل لقب يتيم للثاني (كأس العرش 2018).

وهكذا، تحوّل نهضة بركان من فريق تائه بين سراديب أقسام الهواة إلى فريق اقتحم “القبة الحديدية” للقوى الكلاسيكية لكرة القدم المغربية، الأمر الذي يراه اليازغي نموذجا يجب استخلاص الدروس منه بحكم أن الكتيبة البركانية “تمكنت من الاستمرار في القسم الأول (11 موسما) وأعدت لنفسها بنية خوّلت لها المحافظة على منحناها التصاعدي بشخص لقجع وبدونه”، مستدلا على ذلك بالنتائج المُدركة مع الرئيس الحالي.

وخلص الدكتور منصف اليازغي إلى أن تقزيم إنجازات نهضة بركان بربطها بنفوذ فوزي لقجع يكون “نقاشا شعبويا” في بعض الأحيان لأن “الفريق عندما يخسر لا يتحدث أحد عنه، إضافة إلى أنه إذا ما كانت محاباة للفريق في الدوري الاحترافي فلا يمكن أن تكون في كأس الكونفدرالية وكأس العرش”، في إشارة إلى تألق الفريق على المستوى القاري وتتويجه بلقبي كأس “الكاف”.

درع الدوري.. للحلم بقية

رغم التألق الذي لا تخطئه عين لفريق كان بالأمس القريب لا يعرفه سوى أبناء مدينته ومن عاصروا حقبة بوسحابة، ظل التتويج بدرع الدوري الاحترافي حلما يراود فوزي لقجع والكتيبة البرتقالية وجماهيره في المواسم العشرة الأخيرة دون حتى الاقتراب من تحقيقه.

وحاول نهضة بركان المنافسة على لقب البطولة المحلية بكل ما أوتي من طموح، فاستقطب لاعبين بخبرة كبيرة، على غرار محسن ياجور وزكرياء حدراف، زهير العروبي، زيد كروش، مهدي أوبيلا، بكر الهلالي، محمد وعبد المولى برابح… لكن كل مساعيه كانت تذهب أدراج الرياح.

ويعد موسم 2019-2020 الأنجح للفريق البرتقالي في السنوات العشر الأخيرة على مستوى الدوري الاحترافي، ونافس فيه على اللقب حتى الجولة الأخيرة (30)، لكنه أنهى الموسم في الرتبة الثالثة بـ57 نقطة، بفارق نقطتين عن الوداد، الوصيف، وثلاث نقاط عن الرجاء، البطل.

وإضافة إلى الدوري الاحترافي، تعد المشاركة في دوري أبطال إفريقيا حلما آخر يتمنى “فارس مدينة الليمون” تحقيقه، زيادة على دوري السوبر الإفريقي الذي سينطلق في غشت 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News