حقوقيون يدعون إلى ربط ميزانية 2027 بمكافحة الفقر والهشاشة المجالية في المغرب

دعت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى اعتماد سياسة عمومية تضمن الحقوق الأساسية وتمنع إنتاج الفقر وإعادة إنتاجه، مؤكدة أن التحدي الحقوقي لم يعد يقتصر على قياس عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، بل يمتد إلى مساءلة الشروط التي تنتج الحرمان، والآليات التي تكرسه، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق الأساسية بصورة فعلية ومنصفة.
وأوضحت العصبة، في بيان صادر عن مكتبها المركزي بالرباط، بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، أن هذه المناسبة تكتسي أهمية خاصة في ظل تعيين الحكومة الجديدة، وانعقاد المجلس الوزاري لتحديد التوجهات العامة لقانون مالية 2027، إلى جانب انكباب الحكومة على صياغة برنامجها وتصريحها الحكومي.
وسجلت الهيئة الحقوقية أن التركيز الأممي خلال هذه السنة على موضوع «سكن آمن للجميع»، ضمن شعار السنوات 2026-2028 «متحدون من أجل السلام وحقوق الإنسان»، يسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الفقر والحق في السكن اللائق.
واستحضرت العصبة تحذير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن الفقر يمس الكرامة الإنسانية وينكر حقوق الإنسان، وأن انعدام أمن السكن وارتفاع تكاليفه وعدم استقرار الحيازة والتشرد قد تدفع الأشخاص إلى دوامة أعمق من الفقر، بما ينعكس على الصحة والتعليم والعمل والمساواة.
وأضافت أن معطيات الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 2.8 مليار شخص في العالم يواجهون شكلا من أشكال القصور في ظروف السكن، معتبرة أن المسكن غير اللائق، أو الذي يستنزف جزءا غير متناسب من دخل الأسرة، أو يفتقر إلى الماء والتطهير والتجهيزات الأساسية، لا يمثل مجرد اختلال في ظروف العيش، بل قد يشكل مدخلا لسلسلة من مظاهر الحرمان المتراكم.
وفي ما يتعلق بالوضع بالمغرب، أبرزت العصبة أن المؤشرات الرسمية لسنة 2024 أظهرت استمرار التفاوتات المجالية في الفقر متعدد الأبعاد، إذ ظل 72 في المائة من الأشخاص المصنفين ضمن هذه الفئة يعيشون في الوسط القروي، بينما بلغ معدل الفقر متعدد الأبعاد في هذا الوسط 13.1 في المائة، مقابل 3 في المائة في الوسط الحضري.
كما أفادت بأن نحو ثلاثة ملايين شخص ظلوا في وضعية هشاشة إزاء الفقر متعدد الأبعاد، يمثل سكان الوسط القروي 82 في المائة منهم، مشيرة إلى أن جهة بني ملال-خنيفرة سجلت معدل فقر متعدد الأبعاد بلغ 9.8 في المائة، مقابل 6.8 في المائة على المستوى الوطني.
واعتبرت العصبة أن هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها معطيات إحصائية محايدة فحسب، لأنها تكشف استمرار تأثير مكان الإقامة ومدى توافر البنيات الأساسية والخدمات العمومية على التمتع بالحقوق، فضلا عن أن الخروج من الفقر لا يعني بالضرورة التحرر من الهشاشة، في ظل مخاطر فقدان العمل والمرض وارتفاع تكاليف السكن وتراجع الموارد والصدمات المناخية والاقتصادية.
وشددت الهيئة على ضرورة التمييز بين التراجع الإحصائي للفقر والتراجع الفعلي لأسباب إنتاجه وإعادة إنتاجه، داعية إلى اعتماد تقييم حقوقي متكامل يجمع بين مؤشرات الدخل والاستهلاك وجودة السكن والولوج إلى الصحة والتعليم والماء والتطهير والنقل واستقرار الشغل وكفاية الحماية الاجتماعية، مع تفكيك المعطيات بحسب الجنس والسن والإعاقة والمجال الترابي.
وفي هذا السياق، دعت العصبة إلى إخضاع السياسات الميزانياتية لتقييم دوري يقيس أثر الاختيارات المالية والجبائية على الفئات الأكثر هشاشة ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، مع تعزيز الإنصاف الجبائي ومكافحة الفساد والريع والاحتكار وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنيات التحتية الاجتماعية.
كما طالبت بجعل الحق في السكن اللائق مدخلا مركزيا للقضاء على الفقر، عبر ربط سياسات السكن بالقدرة الفعلية للأسر على تحمل تكاليفه، وضمان الولوج إلى الماء والتطهير والنقل والمدارس والمرافق الصحية وفرص العمل، إلى جانب تعزيز الوقاية من التشرد والإقصاء السكني وحماية الأسر المهددة بفقدان مساكنها وتحسين ظروف السكن غير اللائق.
ودعت الهيئة الحقوقية، أيضا، إلى اعتماد مقاربة ترابية في توزيع الخدمات والاستثمارات الاجتماعية، من خلال توجيه الموارد وفق خريطة الحرمان الفعلي، وتحديد أهداف قابلة للقياس على مستوى الجهات والأقاليم والجماعات، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني ضعف الولوج إلى التعليم والصحة والسكن اللائق والماء والتطهير والنقل.
وفي ما يخص الحماية الاجتماعية، أكدت العصبة ضرورة الانتقال من اعتبارها تعويضا عن الهشاشة إلى ضمانة للكرامة والاستقلالية، بما يشمل تيسير الولوج إلى برامج الدعم والحد من الإقصاء الناتج عن التعقيد الإداري أو ضعف المعلومات، وتعزيز حماية العاملات والعمال في القطاعات غير المهيكلة، وتطوير آليات الاستجابة للصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية.
كما شددت على أهمية إعمال الحق في الشغل اللائق باعتباره ركيزة للوقاية من الفقر، معتبرة أن مجرد توفر العمل لا يعني بالضرورة الخروج من الحرمان ما لم يكن مستقرا ومحترما للحقوق ويوفر دخلا منصفا، ودعت إلى مواجهة الهشاشة المهنية وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة.
ومن بين المطالب التي تضمنها البيان، إرساء آلية وطنية للرصد والمساءلة بشأن الفقر والحرمان، من خلال تطوير مؤشرات حقوقية دورية تجمع بين الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد، والولوج إلى السكن والصحة والتعليم والماء والتطهير والشغل والحماية الاجتماعية، مع ربطها بأهداف معلنة وآجال محددة وتقارير عمومية منتظمة وتقييم مستقل.
كما دعت العصبة إلى ضمان المشاركة الفعلية للأشخاص الذين يعيشون الفقر في صنع القرارات، عبر إشراكهم في تحديد الأولويات وتصميم البرامج وتتبع تنفيذها وتقييم آثارها، معتبرة أن تجاربهم مع الحرمان والعوائق الإدارية والاجتماعية ينبغي أن تشكل عنصرا أساسيا في بناء السياسات العمومية.
وختمت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالتأكيد على ضرورة إدراج هذه التدابير ضمن برنامج وطني ذي أهداف مرحلية واضحة، يحدد المسؤوليات والموارد وآجال التنفيذ، ويخضع للتقييم والمساءلة، مع ضمان التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسكنية والبيئية.
واعتبرت أن الاختبار الحقيقي للعدالة الاجتماعية لا يتمثل فقط في عدد الأشخاص الذين غادروا عتبة الفقر، بل أيضا في عدد الذين لم يعودوا مهددين بالسقوط فيه، ومدى قدرتهم على الحصول على سكن لائق وتعليم جيد وعلاج مناسب وعمل كريم وخدمات أساسية، دون الاضطرار إلى الاختيار بين حاجات لا غنى عنها.





