رأي

قراءة في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية للولاية التشريعية الثانية عشرة

قراءة في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية للولاية التشريعية الثانية عشرة

بداية يمكن أن نعطي عنوانا مؤطرا لهذا الخطاب الملكي وفق الآتي: الندية الدولية وحتمية الأمن الاستراتيجي في الخطاب الملكي، حيث يرسم ملامح مرحلة مفصلية عنوانها الأبرز الانتقال من موقع الدفاع وتثبيت المكتسبات إلى موقع الهجوم وفرض القواعد الجيو سياسية والاقتصادية.

هذا الخطاب يمثل إعلانا صريحا عن دخول المغرب مرحلة الصعود كقوة إقليمية شريكة وموثوقة، واضعا في الآن ذاته النخب الوطنية أمام اختبار تاريخي حاسم يربط بين صلابة الموقف الخارجي وبراغماتية الإقلاع الداخلي الفوري.

ويمكن رصد الخلفيات والمقاصد العميقة لهذا التوجه من خلال المحاور التفكيكية التالية:

أولا: دبلوماسية ندية وتفكيك المقاربات الكلاسيكية لملف الهجرة

يشكل حديث جلالة الملك عن الشراكات الدولية وتدبير ملف الهجرة الذي أخذ منعطفا جديدا في العقيدة الدبلوماسية المغربية، حيث أعلن بوضوح تجاوز النموذج الحالي للتعاون الذي لم يعد يستجيب للتحديات المعاصرة. من منظور سياسي، يضع المغرب شركاءه الغربيين أمام واقعية جديدة ترفض منطق الإملاءات أو الاختباء وراء العقبات القانونية والقضائية لعرقلة ترحيل المهاجرين غير القاصرين أو مدعي اللجوء.

الرسالة هنا حازمة ومفادها أن الشراكة التزام إرادي متبادل يرفض الابتزاز، وأن المغرب مستعد لتقديم رؤية استراتيجية متكاملة لشركائه، لكن بشروطه السيادية التي تضمن مصالحه العليا أولا.

ثانيا: سيكولوجية الانتماء وتحويل المشترك الوجداني إلى قوة انتاجية

في خطوة لافتة من زاوية علم النفس السياسي، أعاد جلالة الملك تفعيل مقولته الشهيرة التي قالها في خطبه سنة 2014 من ذلك المنبر حول شعوره الشخصي بالاعتزاز بمغربتيه، معلنا أن السنوات لا تزيد هذا الإحساس إلا قوة ورسوخا.

هذا الاستحضار لم يأت كخطاب عاطفي مجرد، بل وظفه الملك كأداة سياسية لتأصيل عقيدة الواجب، محولا الانتماء الوطني من مجرد فخر وجداني سلبي إلى محفز أساسي للمسؤولية والعمل الميداني.

إنها رسالة واضحة مفادها ان المواطنة الحقة في مغرب اليوم تقاس بالإنتاجية والالتزام الفعلي والمساهمة في بناء الدولة القوية.

ثالثا: التحذير الملكي من هدر هذه الفرص التاريخية غير القابلة للتعويض


شكل تنبيه الملك إلى أن هذه الفرص التنموية والتموقعات الجيو سياسية المتاحة حاليا قد لا تتكرر، نقطة الارتكاز الاستشرافية في الخطاب.

ومن منظور التخطيط الاستراتيجي، يدرك المغرب أن النظام الدولي يعيش حالة سيولة قصوى واعادة تشكيل لموازين القوى، وأن التموضع الحالي للمملكة كشريك جيو اقتصادي موثوق يمنحها نافذة زمنية ضيقة يجب استغلالها فورا.

هذا التحذير هو بمثابة إعلان حالة طوارئ تدبيرية موجه للنخب، مفاده أن التباطؤ أو الحسابات السياسوية الضيقة في هذه اللحظة الاستثنائية يعد تفريطا غير مقبول في قطار الصعود نحو مصاف الدول المتقدمة.

رابعا: نحو مقاربة الأمن السيادي الشامل واقتناص التموقعات الجديدة


لم يعد الخطاب الملكي يتعامل مع الاقتصاد من زاوية الأرقام والمؤشرات الكلاسيكية، بل أطره ضمن مقاربة الأمن الاستراتيجي الشامل لحماية الدولة من التقلبات الدولية العنيفة.

الدعوة المباشرة لإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الماء والطاقة والغذاء، والذكاء الاصطناعي، تعكس وعيا عميقا بضرورة تحصين السيادة الوطنية لتواكب الطموح الملكي وتدعم أوراق الضغط المغربية على الساحة الدولية.

خامسا: زمن الفعالية التنموية والتعاقد الأخلاقي الإلزامي للنخب

يربط الخطاب نجاح الإقلاع الاقتصادي بضرورة كسر القيود البيروقراطية من خلال التسريع الفوري لمسار اللاتمركز الإداري ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات. هذا التوجيه الاداري واكبه تشديد أخلاقي صارم اعتبر الانتداب الانتخابي والسياسي تعاقدا أخلاقيا جليلا تجاه الوطن وليس وجاهة اجتماعية، مما يفرض على البرلمان والحكومة الارتقاء بأساليب عملهما والقطع مع الهدر الزمني والسياسي.

في النهاية، يمكن القول إن هذا الخطاب الملكي صاغ استراتيجية متكاملة الأركان تدمج بذكاء بين حماية الجبهة الخارجية وفرض شروط السيادة والندية في ملف الشراكات والهجرة، وبين تحصين الجبهة الداخلية عبر استغلال الفرص التاريخية والالتزام الأخلاقي والعملي، مما يؤسس لمرحلة جديدة من البناء المرتكز على الكفاءة والسرعة والسيادة الكاملة.

ذ/ محسين بوعسرية محام بهيئة الدار البيضاء ودكتور في القانون الخاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News