المندوبية ترسم ملامح اقتصاد 2027: عجز تجاري أكبر ودين عمومي أقل

توقعت المندوبية السامية للتخطيط، في الملخص العام للميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027، أن تواجه التجارة الخارجية المغربية خلال سنتي 2026 و2027 تحديات مرتبطة باستمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار المواد الأولية، في سياق دولي يتسم بتباطؤ الطلب الخارجي وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، مع توقعات باستمرار نمو الصادرات، وإن بوتيرة أقل من نمو الواردات.
وأوضحت المندوبية أن المبادلات الخارجية ستتطور خلال سنة 2026 في ظل ظروف مواتية نسبيا على مستوى العرض الداخلي، مقابل بيئة خارجية صعبة أثرت على أسواق المواد الأولية ودفعت إلى مراجعة الفرضيات التي تضمنتها النسخة السابقة من الميزانية الاقتصادية. وفي هذا السياق، ينتظر أن تتأثر الصادرات المغربية سلبا بتراجع الطلب الخارجي الموجه نحو المملكة، نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي لدى أبرز الشركاء التجاريين.
وحسب التوقعات، فإن صادرات الفوسفاط ومشتقاته ستتأثر خلال سنة 2026 بالتوترات اللوجستية وبارتفاع أسعار المدخلات، غير أن مرونة الجهاز الإنتاجي لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، إلى جانب تعليق الرسوم التعويضية الأمريكية والتنويع نحو أسواق دولية جديدة، من شأنها أن تحد من هذه التداعيات، على أن تستعيد هذه الصادرات ديناميتها خلال سنة 2027.
وفي المقابل، تتوقع المندوبية استمرار المنحى التنازلي لصادرات قطاع النسيج والألبسة، مشيرة إلى أن هذا القطاع لن يستفيد بالشكل الكامل من ظاهرة “التوطين القريب” في الفضاء المتوسطي. وأرجعت ذلك إلى تراجع حصته السوقية في إسبانيا لفائدة منافسين، خاصة تركيا ومصر، فضلا عن انخفاض الطلب في السوق الفرنسية.
وعلى الجانب الآخر، ترجح الوثيقة أن تحقق صادرات المنتجات الفلاحية والصناعات الغذائية تحسنا خلال الفترة نفسها، مدعومة بالنتائج الإيجابية للموسم الفلاحي 2025-2026 وباستمرار قوة الطلب الخارجي على هذا النوع من المنتجات.
كما ينتظر أن تواصل صادرات صناعات السيارات والطيران منحاها التصاعدي خلال سنتي 2026 و2027، مستفيدة من تأجيل بعض التدابير التنظيمية في أوروبا، بما يعزز الطلب على السيارات المغربية، فيما يواصل قطاع الطيران ترسيخ حضوره في الأسواق الخارجية، مؤكدا المسار التصاعدي لهذه الصناعة وقدرتها على تعزيز حصتها في التجارة الدولية.
وفي ضوء هذه التطورات، تتوقع المندوبية أن يستقر نمو حجم صادرات السلع عند 4 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن يرتفع إلى 5,7 في المائة خلال سنة 2027.
وفي ما يتعلق بالواردات، تشير التوقعات إلى أن التحسن المرتقب في الإنتاج الفلاحي الوطني سيساهم في تقليص واردات المنتجات الفلاحية والغذائية، خصوصا الحبوب والحيوانات الحية والسكر الخام أو المكرر، بما يخفف فاتورة المواد الغذائية المستوردة.
غير أن هذا التطور لن يحول دون استمرار ارتفاع واردات المنتجات نصف المصنعة وسلع التجهيز، مدفوعة بمواصلة تنفيذ الاستثمارات، فضلا عن استمرار المنحى التصاعدي للواردات الطاقية خلال سنتي 2026 و2027.
وتتوقع الوثيقة أن يسجل حجم واردات السلع نموا بنسبة 8,5 في المائة سنة 2026، قبل أن يتباطأ إلى 7,3 في المائة خلال سنة 2027.
وأرجعت المندوبية هذه التطورات إلى التوترات الجيوسياسية التي شهدها مضيق هرمز خلال النصف الأول من سنة 2026، والتي تسببت في اختلالات كبيرة في حركة النقل البحري، انعكست على المبادلات التجارية وأسعار المواد الأولية.
وفي هذا الإطار، يرتقب أن ترتفع أسعار النفط بنسبة 31,8 في المائة خلال سنة 2026، فيما ستسجل أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي زيادة قدرها 22 في المائة. كما ستعرف أسعار الأسمدة الفوسفاطية منحى تصاعديا، مع ارتفاع أسعار فوسفاط ثنائي الأمونيوم بنسبة 5,8 في المائة، والسوبر فوسفاط الثلاثي بنسبة 8,2 في المائة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية الاستراتيجية، خاصة الكبريت والأمونياك. أما أسعار القمح الأمريكي، فمن المتوقع أن ترتفع بوتيرة محدودة لا تتجاوز 4 في المائة.
وترى المندوبية أن الأسواق ستشهد انفراجا تدريجيا خلال سنة 2027 مع تراجع حدة هذه الاضطرابات، حيث ينتظر أن تنخفض أسعار النفط بنسبة 11,8 في المائة، فيما ستتراجع أسعار الفوسفاط بأكثر من 10 في المائة، مع اعتدال وتيرة ارتفاع أسعار القمح.
وفي المقابل، تتوقع الوثيقة أن تواصل الخدمات، باعتبارها أقل تأثرا باختلالات سلاسل القيمة العالمية، تحقيق نتائج إيجابية، خاصة مداخيل السياحة والنقل.
ورغم استمرار نمو الصادرات، تتوقع المندوبية أن ترتفع قيمة واردات السلع والخدمات بنسبة 10,5 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن تتباطأ إلى 6,1 في المائة سنة 2027، مقابل ارتفاع قيمة صادرات السلع والخدمات بنسبة 8,3 في المائة خلال سنة 2026 و7,5 في المائة خلال سنة 2027.
ووفق هذه الفرضيات، يرتقب أن يتفاقم عجز الميزان التجاري لينتقل من 20,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 إلى 21,9 في المائة سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى 21,1 في المائة خلال سنة 2027.
وفي المقابل، سيواصل فائض ميزان الخدمات لعب دور داعم للتوازنات الخارجية، بفضل صلابته البنيوية، ما سيمكن من حصر عجز الموارد في حدود 12,3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026، قبل أن يتقلص إلى 10,9 في المائة سنة 2027.
كما تتوقع المندوبية أن تحافظ تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج على منحاها التصاعدي، رغم تدهور القدرة الشرائية في أوروبا، وهو ما سيساهم في الحد من الضغوط على الحساب الجاري، الذي يرتقب أن يبلغ عجزه 3,9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 3,6 في المائة خلال سنة 2027.
الدين العمومي الإجمالي
وتوقعت المندوبية السامية للتخطيط أن يواصل الدين العمومي الإجمالي بالمغرب منحاه التراجعي خلال سنتي 2026 و2027، في سياق يرتقب أن يشهد تحسنا في مؤشرات المالية العمومية، مدعوما بارتفاع الموارد العادية للدولة وتراجع عجز الميزانية، وفق ما جاء في المذكرة التركيبية للميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2027.
وأفادت الوثيقة بأن نسبة الدين العمومي الإجمالي إلى الناتج الداخلي الإجمالي ستتراجع إلى 78,9 في المائة سنة 2026، قبل أن تنخفض إلى 77,4 في المائة سنة 2027، بالتزامن مع استمرار التحكم في عجز الميزانية وتحسن الموارد العمومية.
وفي هذا السياق، يرتقب أن يتراجع عجز الميزانية، على أساس قانون المالية، إلى 3,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، قبل أن ينخفض إلى 3,1 في المائة سنة 2027، مدعوما بارتفاع المداخيل العادية بوتيرة تفوق تطور النفقات الجارية، بما يسمح بالحفاظ على رصيد عادي موجب خلال أفق التوقعات.
وتتوقع المندوبية أن تواصل الموارد الجبائية منحاها التصاعدي خلال سنتي 2026 و2027، مدفوعة بتحسن النشاط الاقتصادي واستمرار تنفيذ الإصلاحات الجبائية، مع ارتفاع مداخيل الضرائب المباشرة وغير المباشرة والرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والطابع، بما يعزز الموارد العادية للدولة.
وفي المقابل، تشير المذكرة إلى استمرار ارتفاع النفقات الجارية، بما يشمل نفقات الموظفين والتحويلات وباقي نفقات التسيير، إلى جانب مواصلة تنفيذ برنامج الاستثمار العمومي، مع تسجيل وتيرة نمو للموارد العادية تفوق وتيرة ارتفاع النفقات الجارية خلال أفق التوقعات.
كما تتوقع الوثيقة أن يتراجع دين الخزينة كنسبة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنتي 2026 و2027، في انسجام مع تراجع عجز الميزانية واستمرار التحكم في حاجيات التمويل.
وفي ما يتعلق بتمويل الاقتصاد، يرتقب أن تنخفض الحاجيات التمويلية من 3,9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 إلى 3,6 في المائة سنة 2027، في وقت سيبلغ فيه الادخار الوطني 31,3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 و31,6 في المائة سنة 2027، مقابل معدل استثمار إجمالي يناهز 35,2 في المائة و35,3 في المائة على التوالي.
وتخلص المذكرة إلى أن مؤشرات المالية العمومية ستواصل منحاها المتوقع خلال أفق 2027، مع تراجع نسبة الدين العمومي الإجمالي إلى الناتج الداخلي الإجمالي، وانخفاض عجز الميزانية، وتحسن الموارد العادية، بالتوازي مع استمرار تنفيذ الاستثمارات العمومية المبرمجة.





