صحة

الجرعة الثالثة بين الشك والضرورة.. خبراء قلقون من العودة لنقطة الصفر

أصبحت الولايات المتحدة أحدث بلد يسمح لجميع البالغين الحصول على جرعة معزّزة من اللقاحات المضادة لـ”كوفيد-19″، بعدما كان الأمر يقصتر حتى الآن على الأشخاص الذين يعانون نقصا في المناعة والمسنين والأكثر عرضة لخطر الإصابة بالوباء.

ورأى علماء يتتبعون البيانات الوبائية أن هذا هو الوقت المناسب لهذه الخطوة، لكن البعض الآخر أعرب عن مخاوفه، إذ إن اللّقاحات التي أعطيت بجرعتين ما زالت فعّالة للغاية من حيث تقليل معدل المضاعفات الحادة للوباء والوفيات.

وصوتت لجنة استشارية تابعة للإدارة الأمريكية للأغذية والعقاقير “إف دي إي” في شتنبر ضد حصول الجميع على جرعة معزّزة، وحصرت أهليتها بفئات معينة من السكان فقط هم الأكبر سنا والأكثر عرضة والأضعف مناعة.

في المغرب، يسر الوضع الصحي من حسن إلى أحسن بفضل التقدم الذي تعرفه عملية التلقيج الوطنية، بحسب اللجنة العلمية المشرفة على تتبع الوضع الوبائي في المغرب.

يقول عز الدين الإبراهيمي، عضو اللجنة العلمية الوطنية والتقنية لتتبع كوفيد-19، إن ” العالم شهد أربع موجات لجائحة كورونا استطاع المغرب أن يتجاوزها بنسب متفاوتة، وذلك بفضل تدابير استباقية حققت نتائج إيجابية”.

وعزا البروفيسور الأمر إلى حملة التلقيح التي ساهمت في تحسن الوضع الوبائي في البلاد، مشداد على أنه “بناء على ذلك أوصت اللجنة العلمية بتخفيف الإجراءات الإحترازية” ، ومبرزا أن الهدف الرئيسي الآن هو بلوغ صفر وفيات بفيروس كورونا بالمغرب”.

ووافق المغرب على اعتماد جرعة ثالثة معززة للمناعة في أكتوبر الماضي، وبلغ عدد الملقحين بها بجرعتين حتى الآن 22 مليونا و526 ألفا و7 أشخاص ومليون و601 ألف و912 شخصا بالجرعة الثالثة، وفق آخر تحيين أجرته وزارة الصحة المغربية لنشرتها اليومية حول الوضع الوبائي بالمملكة اليوم (السبت).

ويرى البروفيسور مولاي هشام عفيف، عضو اللجنة العلمي، أن”الهدف من زيادة جرعات اللقاح يتمثل أساسا في تقوية مناعة الجسم” ، مشيرا إلى أن “83 في المئة من المتوفين بفيروس كورونا بالمغرب هم أشخاص غير ملقحين أو ملقحون بجرعة واحدة فقط”.

في البداية، وبجل دول العالم، أُعلن عن منح الأولوية في تلقي الجرعة الثالثة من لقاحات كورونا للأشخاص المسنين والأكثر عرضة لخطر الإصابة بمضاعفات خطيرة جرّاء العدوى بسبب ضعف مناعتهم، لكن الفترة الأخيرة شهدت تحولات كبيرة أصبح معها لزاما على جميع الملقحين، ممن تجاوزت مدة تطعيمهم 6 أشهر، أخذ جرعة ثالثة معززة.

ما الذي تغير؟

بالنسبة إلى فينسينت راجكومار، البروفيسور في “مايو كلينك” في مدينة روتشستر في ولاية مينيسوتا الأمريكية، فإن أحد الدلائل الرئيسية الجديدة هي التجربة السريرية التي أجرتها مختبرات “فايزر” على 10 آلاف شخص يبلغون 16 عاما وأكثر. وأظهرت أن فعالية اللّقاحات بعد الحصول على جرعة معززة ارتفعت إلى 95.6 في المئة ضد المرض المصحوب بأعراض.

وهناك أيضا مثال إسرائيل التي حاربت الموجة التي سببتها متحوّرة “دلتا” بحملة ضخمة وواسعة النطاق للجرعات المعززة.

وأخيرا، أظهرت بيانات صادرة عن السلطات الصحية في بريطانيا لأشخاص تزيد أعمارهم عن 50 عاما، أن فعّالية اللقاح بعد جرعة معززة تجاوزت مستوى الحماية الذي حُقّق بعد الجرعتين الأوليين.

وتساءل راجكومار “الإجابة العلمية البحتة عن سؤال: هل تعمل الجرعات المعززة؟. هي نعم، ليس هناك أدنى شك في ذلك”، لكنه في الوقت نفسه، أعرب عن قلقه بشأن الإصابات بـ”كوفيد-19” لدى الأشخاص الملقحين.

ورغم أنهم أقل عرضة للوفاة أو دخول المستشفى، تظهر بيانات جديدة في مينيسوتا أن “الوفيات في صفوف الأشخاص الذين لُقّحوا ليست معدومة”.

حاليا، تسجّل وفاة واحدة لكل 100 ألف شخص ملقّح في الأسبوع (مقارنة بـ14 لكل 100 ألف لدى الأشخاص غير الملقّحين). والأشخاص الأكثر عرضة لخطر الوفاة رغم حصولهم على اللقاح، هم المسنون الذين يعانون نقصا في المناعة، على غرار المصابين بالسرطان أو الذين خضعوا لعملية زرع أعضاء.

وقال راجكومار “إذا أصيب الفرد بالمرض رغم حصوله على اللقاح، فإن ذلك يشكل خطرا على هؤلاء، لذلك، عدم الإصابة سيكون أمرا جيدا”.

كبح العدوى أم تخفيف الأعراض؟

لكن ليس كل الخبراء متحمّسون لهذا الحد. ترغب سيلين غوندر، المتخصصة في الأمراض المعدية والأستاذة في جامعة نيويورك، في رؤية المزيد من الأدلة على المناعة التي توفرها هذه الجرعات المعزّزة على المدى الطويل.

بالنسبة إليها، ينبع الخلاف من عدم توافق الآراء حول الهدف المنشود “هل تحاولون منع الأشكال الحادة من المرض وحالات دخول المستشفى والوفيات؟ أم أنكم تحاولون منع العدوى وانتقالها؟”، لكن في الحالتين، ليست الجرعات المعززة بالضرورة هي الاستجابة الأنسب، وفقا لها.

وأفضل طريقة لتقليل الحالات الخطرة والوفيات هي خفض معدل الانتقال المجتمعي عبر تلقيح الأشخاص غير المحصّنين.

بالنسبة إلى سيلين غوندر، من غير الواقعي أيضا الاعتقاد أن الجرعات المعزّزة ستمنع انتقال الوباء، خصوصا بسبب فترة الحضانة السريعة للفيروس في جسم الإنسان.

قد يؤدي الترويج لجرعة معززة أيضا إلى نتائج عكسية للمشككين الذين يميلون إلى استنتاج أن اللقاحات غير فعّالة.

وهناك خطر آخر يتمثل في ارتفاع عدد حالات التهاب عضلة القلب بعد حقن لقاح يعمل بتقنية الحمض النووي الريبي المرسال “آي آر إن”، خصوصا بين الشباب (وهو أثر جانبي نادر الحدوث).

ولا تستبعد المتخصصة دعم سلسلة من ثلاث جرعات، أو جرعتين متباعدتين، أو جرعات معززة منتظمة، لكنها تقول إن ذلك يحتاج إلى دراسة أكثر شمولا.

خطر متحورة مقاومة للقاحات!

يتفق الخبراء على أن الجرعات المعززة وحدها لا يمكنها أن تضع حدا للوباء، في حين أن أفقر البلدان، خصوصا في إفريقيا، ما زالت تعاني بمعدل تطعيم منخفض جدا.

الأسبوع الماضي، شجب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، حقيقة أن كل يوم تعطي الدول الغنية ست جرعات مغززة مقارنة بجرعة أولى كل يوم في البلدان منخفضة الدخل.

وختمت سيلين غوندر “سيكون من المؤسف فعلا إذا وجدنا أنفسنا بعد كل حملات التطعيم التي قمنا بها، نعود إلى الوراء بسبب متحوّرة نشأت في جزء آخر من العالم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *