تمنع الحكاية في رواية “والله إن هذه الحكاية لحكايتي” لعبد الفتاح كليطو

إن الناقد والروائي المغربي د. عبدالفتاح كليطو وهو يطوف بدراساته النقدية والأدبية وسردياته المتعددة يقرأ لغة العصر ويقدم المعرفة المعاصرة بهذه اللغة البليغة المتدفقة والفكر العميق المتجدد سواء في السرد أو في النقد الأدبي. ويقدم هذه المعرفة بطريقة تقول لنا إنه علينا أن نلحق الركب ونسير معه على نفس الخط كي نضيف شيئا مختلفا في دراساتنا الأدبية المعاصرة لأنه بحق من النماذج القليلة والنادرة في ثقافتنا العربية المعاصرة ممن يقدمون مشروعا ثقافيا حقيقيا لتجديد المياه الآسنة في النقد الأدبي. ولأنه من أكثر نقاد عصرنا بلاغة، إنه حقيقة يقول لنا شيئا مختلفا بلغة رشيقة متخففة من هرطقة النقاد.
تعدُّ رواية “والله إن هذه الحكاية لحكايتي” لكليطو رواية من روايات تعقب الأثر، ونبش تفاصيل متعلِّقة بشخصيَّات تاريخيَّة في التراث الأدبيِّ والإنسانيِّ كان لها حضور في زمنها، أو لم تنل فرصتها، كأن تكون مغيَّبة تاريخيّاً ولم تنل حظَّها من القراءة في زمنها، مثل شخصيَّتي حسن البصري وأبي حيان التوحيدي، الذي أحرق كتبه، وكان يعاني من التهميش وسوء الحظِّ.
أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، أحد أعلام القرن الرابع الهجري النابغين بالعلم والأدب، فقد كان متفنناً في علوم شتى من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام، ولكنه على الرغم من وفرة علمه فهو سئ الحظ أثناء حياته وبعد مماته، إذ تجاهلة الوزراء وأصحاب الدولة العباسية البارزين ومنعوه من القرب منهم، كما لم يذكره من الكتاب والمؤرخين في مؤلفاتهم إلا عدداً يسيراً منهم مثل ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء، وبن خلكان في وفيات الأعيان، وقد وصل اليأس به من زمانه وأهله إلى أن جعله يحرق كتبه رغبة منه في الانتقام من الناس الذين لم يقدروا علمه الواسع وأدبه الرفيع.
وينبغي هنا الحديث عن حدث هام في حياة التوحيدي وهو حرقه لما كان بين يديه من مؤلفاته، رغبةً منه في الانتقام من جميع اللذين تجاهلوه، وتجاهلوا علمه.
تلتقط الرواية هذه الحالة من التجاهل والإنكار لتفتح السؤال على أكثر من جانب: هل بالفعل أحرق أبو حيان أعماله أو لم يحرقها وإذا كان بالفعل أحرقها فكيف وصلت إلينا إلا إذا كان أبو حيان قد أحرق كتبا لم تصل إلينا. وهنا يذكرنا بكافكا الذي أراد حرق أعماله ولكن قام صديقه ماكس برود بحفظ هذه الأعمال. وحال أبي حيان التوحيدي يشبه حال كافكا في عدم الانتشار في زمنهم ولكن تم إنصافهم في أزمنة لاحقة لهم.
يقول خالد بالقاسم: “إن عبدالفتاح كليطو ينجز قرابات بين المتباعدات” وهذا ما يمثل حال هذا النص حيث يجمع الكاتب بين السردين العجائبيِّ والواقعيّ، ويتحاور أبطال حداثيّون، وأبطال من التراث. يتأمَّل البطل تفاصيل حكاياتهم مراجعاً ومحلّلاً، مستعيداً هذه الأصوات وقارئاً لها. بجانب هذا، تقدِّم الرواية فكرةً حقيقيَّة وواقعيّة جدّاً، وهي أنَّنا، عندما نستحضر بعض الرموز الثقافيَّة والأدبيَّة من الماضي القديم، فإنَّنا لا نستدعيها إلَّا لأنَّها شخصيَّات لها دلالة معيَّنة في حياتنا واهتماماتنا المعرفيَّة والإنسانيَّة الراهنة.
الجديد في الرواية أنَّها لا تعالج أحداثاً مهمّة في المتن السرديّ، ولا ينتظر القارئ نتيجة متوالية الأحداث، بل هي تأخذ البطل في سلسلة من التساؤلات والتأمُّلات، وتقف معه في قصص إنسانيَّة مشتركة، ولحظات تعيشها المجتمعات البشريَّة في كلِّ زمن. كما يؤسِّس هذا النوع من السرد فتحَ الباب أمام الروايات التأمليَّة الفلسفيَّة الباحثة في علاقة الإنسان مع الكتب، والأدب، والثقافة، وكيف بإمكانها تشكيل معنى وجوده.
وقفت الرواية عند ومضات متعدِّدة على نحو مقتضب، تثير أسئلة من الممكن أن تكون أعمق لولا المرور السريع على هذه الشخصيَّات، على وجه الخصوص قصَّة أبي حيان التوحيديّ، كان من الممكن أن تكون الرواية أكثر متعة لو تعقَّبت قصَّته بدلاً من الاكتفاء بالإشارة إلى الهروب من كتابه “مثالب الوزيرين”.
ربَّما يصح لنا القول إنَّ أهميَّة الرواية تكمن في موضوعها، وفي بنائها الذي يغاير المألوف، من العنوان حتَّى طريقة بناء الرواية، فالعنوان يحيل إلى بنية ارتياب وتشكيك في مصداقيَّة السارد الذي يحلف ويقسم إنَّها روايتها، ويسردها بمصداقيَّة عالية، كأنه يجيب على القارئ مطمئنا إيَّاه بأن لا يبحث عن المصداقيَّة وموثوقيَّة السرد لأنَّه يتعهَّد بهذه التفاصيل. ويعزِّز هذا القسم باستخدام ضمير المتكلِّم ليؤكِّد مصداقيَّته. وهذا الجديد والمغاير لأنَّ طبيعة العمليَّة السرديَّة تختلف عن أنواع الخطابات الأخرى التي تتأسَّس على عالم الحقيقة. الأمر الثاني، بنية الرواية تمتزج بين العجائبيِّ والواقعيِّ، بين “ألف ليلة وليلة” وسرديَّاتها، والبطل الذي يدرس الأدب ويتعقَّب هذه التفاصيل، ممَّا يقود إلى التذبذب بين العالمين والتشكيك في منطقيَّة الأحداث.
الرؤية التي يحملها الخطاب الروائي:
يقول كليطو: “إن الأدب كثيرا ما ينقذنا من الوحدة، بمعنى أنه يساهم في تخليصنا من خواطرنا السيئة المخجلة أو على الأصح يجعلنا نعيها ونفكر فيها”.
وهنا نجد الرواية تعالج أهميَّة قراءة الأدب وتفاصيله قراءة رصينة لا تكتفي بوضعه على رفوف الذاكرة، بل بوصفه عالماً حيّاً نابضاً بإمكانه أن يشكل حياتنا ومصائرنا المختلفة، كما أنَّ قراءته هي قراءة لذواتنا، وما يحدث سابقاً في العالم الأدبي بإمكانه أن يحدث ويتكرَّر أيضا مجدّداً. كما أنَّ الرواية بهذا التأمُّل الفلسفيِّ العميق تشير إلى أثر الكلمات والطاقات التي تحملها الخطابات المتعدِّدة في التأثير على الشخصيَّات، مثلما حدث مع شخصيَّات تأثَّرت بكتاب أبي حيان التوحيدي، ومن الممكن أن تؤثر بأي قارئ يقرأ الكتاب مجدَّداً.
وبهذا نجد أن الكتاب كما يبين د. مصطفى بوكرن يعد بطلا من أبطال الرواية يحرك الأحداث وقرارات الشخصيات مثل شخصية حسن ميرو التي تؤجل قراءة كتاب “مثالب الوزيرين” خوفا من الشؤم الذي سيلاحقه من هذا الكتاب. لقد مات أبو حيان التوحيدي غبنا وقهرا بسبب عدم الذيوع والاشتهار فيما نجد الجاحظ يموت بسبب سقوط المكتبة عليه.
لا تقع الرواية بين حاضر وماضي الشرق وحسب، بل هي تقع بين فضائين شرقيّ عربيّ وفضاء غربيّ يتضح من خلال اهتمام باحثين غربيّين بشخصيَّات التراث العربيّ المشرقيّ بحيث يبقى الموروث الأدبي إرثاً مشتركة للثقافة الإنسانيَّة كاملة.
لغة الرواية تقوم على التناصّ، والتأمُّلات في كتابات وأقوال السابقين من الشخصيَّات الأدبيَّة التي تتقاطع وخطاب الرواية. بالإضافة إلى أنَّ رشاقة اللغة وإيحائيَّتها العالية تولي أهميَّة خاصَّة للغة ودورها المهمّ في تشكيل الذات الإنسانيَّة، وأنَّ من يملك لغته يستطيع أن يحكي قصَّته.
إن رواية “والله هذه الحكاية حكايتي” تحاول قول أشياء متعددة وملتبسة من دون أن يقول السارد حكايته الخاصة به، كثرة الارتياب والالتباس تجعل من الصعب على القارئ أن يقبض على خيوط حكاية واحدة. كل ما تقدمه الرواية هو تأملات في كتب وشخصيات التراث تعيدها للمشهد مجددا وتكتب عنها من زاوية الآخر الذي يعيد النظر فيها وكأن الناقد كليطو يشعر بغيرة على رموز أدبنا العرب التي ينظر لها بنظرة نقدية نمطية بعيدة عن أي تجديد نقدي مثلما يحدث مع الغرب في إعادة إحياء النماذج الأدبية وقول أشياء عنها لم تقل في الماضي.





