ثقافة

محاولات إحياء لغة منقرضة وتطعيمها بمفردات عصرية.. اللاتينية هواية أم لغة محتملة لأوروبا؟

يستطيع كثير من الألمان أن يردوا عليك بالإيجاب إذا سألتهم عما إذا كانوا يعرفون التحدث باللغة الإنجليزية، لكن ماذا لو سألتهم عما إذا كانوا يعرفون التحدث باللاتينية.

قد تفاجئ بأن بعضهم يرد بالإيجاب أيضا.

وبخلاف معظم اللغات الأوروبية التي تنحدر من أصل لاتيني، تعد الألمانية والإنجليزية لغات جرمانية ولكنها تأثرت باللاتينية أيضا، وتضم المجموعة اللغوية المنحدرة من الجرمانية المبكرة أيضا الهولندية والنرويجية والدانماركية والسويدية والأيسلندية وغيرها.

وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عاد التفكير والنقاش في إمكانية إحياء لغة قديمة وجعلها ركيزة أساسية لكيان الاتحاد السياسي ومؤسساته. فهل تفكر أوروبا إحياء اللاتينية واعتمادها لغة رسمية مشتركة بعد بريكست؟

اللاتينية كهواية في ألمانيا

هذه الفكرة قد تثير قلق البعض، حيث تعيدهم إلى الذكريات المبكرة لمادة دراسية صعبة، غير أن مزيدا من الأشخاص أخذوا يتعلمون اللاتينية كهواية، وبدأت المجموعات التي تضم أولئك تزدهر في ألمانيا.

وهذا التجمع صغير العدد ولكنه آخذ في النمو، وفقا لما تقوله مجموعة في برلين تجتمع بانتظام في حدائق أو مطاعم، للثرثرة باللاتينية أو التحدث في موضوعات تتعلق بها.

ومن ناحية أخرى، يقول معلم اللاتينية كريستيان كوبفر إنه انضم إلى لقاء في بلدة ليشتناو-دالهايم بولاية نورث راين ويستفاليا بالغرب الألماني، واستمتع بحوار رائع دار بهذه اللغة الكلاسيكية.

مزيدا من الأشخاص أخذوا يتعلمون اللغة اللاتينية كهواية، وبدأت المجموعات التي تضم أولئك الأشخاص تزدهر في ألمانيا. وهذا التجمع صغير العدد ولكنه آخذ في النمو، وفقا لما تقوله مجموعة في برلين، تجتمع بانتظام في حدائق تناول الجعة أو المطاعم، للثرثرة باللغة اللاتينية أو التحدث في موضوعات تتعلق بها. صور: Friso Gentsch/dpa Credit: Friso Gentsch/dpa

ويضيف كوبفر “عالم التحدث باللاتينية شهد تطورات كثيرة” وهو يشرف على دورة دراسية، تم بشكل شبه فوري حجز جميع المقاعد فيها التي تبلغ 15 مقعدا.

ويأتي الراغبون في تعلم اللاتينية من عدة ولايات ألمانية، وهم يتراوحون بين تلميذ بالابتدائية إلى موظف متقاعد.

ويعلق الطالب ألكسندر بريهم (24 عاما) قائلا “يمكن استخدام اللاتينية أيضا في المحادثات الخفيفة والسريعة، فمثلا يمكنك أن تشدو بأغان بكلمات هذه اللغة، أو التحدث بها عن القصص المصورة”.

ويضيف أن هناك ميزة إضافية، تتمثل في “أنك تستطيع بتعلم اللاتينية أن تشتق كثيرا من المصطلحات الفنية، والتي على سبيل المثال تحتاجها لحل الألغاز، إلى جانب فهم النقوش المحفورة على المباني القديمة”.

وحتى ماتس هارتويتش التلميذ بالمرحلة الابتدائية والبالغ من العمر 10 سنوات، أصبح يتحدث ببعض العبارات اللاتينية، ويقول “اللاتينية هي لغة الرومان وأنا أحب الرومان كثيرا”.

وهو يهدف إلى الوصول إلى مرحلة إجادة التحدث بهذه اللغة، ويوضح السبب قائلا “ربما أريد أن أصبح عالم آثار ذات يوم”.

إحياء لغة ميتة

وقد تتساءل عما إذا كانت لغة، يصفها البعض بأنها ميتة، قد تفتقر إلى بعض المفردات، للتعامل مع عالم اليوم الذي يشهد تطورات حديثة، مثل السيارات الكهربائية وصور السيلفي بالهواتف.

ويرد كوبفر بقوله إنه بالنظر إلى حقيقة أن هذه الأشياء لم يكن لها وجود منذ 2000 عام، فيمكن إضافة أية مفردات تعبر عن معانيها.

ويمكن للمشاركين أن يتبادلوا المعلومات التفصيلية حول هواياتهم، مثل العدو الذي يعني باللاتينية (كوريري) والسباحة التي تعني (ناتاري).

ويمكنهم أيضا أن يدعو كل منهم الآخر لتناول فنجان من القهوة، وهي تسمى باللاتينية “بوتيو أرابيكا” أو “كوفيوم”.

ومن ناحية أخرى، عندما يأتي الأمر إلى الكلمات الجديدة العصرية، يأخذ دارسو هذه اللغة الكلاسيكية المهمة على عاتقهم، ويستخدم البعض منهم مفردات لم تكن معروفة في العصور القديمة.

واصطك البعض كلمة “إبسولوم” المشتقة من الجذر اللغوي القديم “إبسي” بمعنى الذات لتعبر عن كلمة “سيلفي” الحديثة، وفقا لما يقوله كوبفر.

وتم إطلاق كلمة “أوتوسينتوم إليكتريكوم” على السيارة الكهربائية، بينما أُطلق على كلمة الإنترنت اسم “ريتي أومينيوم جنتيوم” الذي يمكن ترجمته ليعني “شبكة لكل الناس”.

بينما تقول مجموعة برلين -التي تتحدث باللاتينية- إن آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء العالم يمارسون حاليا التحدث بهذه اللغة.

ويشير فيكتور بيشير إلى أن المجموعة تتقد حماسا إزاء تزايد شعبية هذه اللغة، ويقول “ثمة اتجاه لإعادة اللاتينية إلى الحياة”.

ويضيف أن أحد العوامل المحفزة لهذه المجموعات يتمثل في أن المشاركين يدركون أن ممارسة اللغة أمر حيوي، ويتابع “إنك تتعلم اللغة فقط عن طريق التحدث بها. والتواصل هو مفتاح الإجادة”.

ويوضح بيشير أن المجموعة تلتقي وتتحدث عن أي شيء وكل شيء، يجول في خاطر أعضائها، بما في ذلك الموضوعات الخفيفة حيث تساعد هذه الأحاديث على تعزيز عملية التعلم.

وقد اجتذبت هذه الدورات التعليمية مشاركين لا يتعلق عملهم بهذه اللغة، والعديد منهم من المعجبين بالأدب الكلاسيكي.

ومعظم الوقت يتعرف المعجبون باللاتينية على مواعيد اللقاءات عن طريق فيسبوك أو البريد الإلكتروني “أبيستولا إليكترونيكا” وفقا لما يقوله كوبفر.

ويتم أيضا تنظيم مخيمات صيفية لمحبي اللاتينية، في ألمانيا ومدريد وروما، من بين أنشطتها تعليم طرق الطهي الرومانية ودراسة المسرح الروماني.

كما تظهر اللاتينية في برامج مذاعة بالتلفاز ومنصات البث، ومن بينها فيلم “البرابرة” الذي أذاعته منصة نتفليكس عام 2020، و “رومولوس” وهو مسلسل من 10 أجزاء، أذاعته محطة “سكاي إيطاليا” التلفزيونية ومحطة “ماجنتا تي في”.

ويتم أيضا تنظيم معارض، من بينها ما أطلق عليه اسم “اللاتينية.. حية أم ميتة ؟” اجتذب كثيرا من الزوار لبلدة ليشتناو دالهايم.

لغة رسمية محتملة

في تقرير نشرته صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، يقول الكاتب سوندار رامانادان إنه منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تناول كثير من الخبراء مستقبل القارة العجوز اللغوي، وتعالت الأصوات التي تطالب بالتخلي عن الإرث البريطاني والبحث عن لغة جديدة توحّد القارّة.

وبهذا الصدد، اقترح البعض اعتماد نسخة مبسطة من الإنجليزية تستخدم فقط الكلمات والعبارات الأكثر شيوعًا، وتخدم المصالح التجارية والتبادل الحر، وطالب آخرون باعتماد الألمانية أو الفرنسية لغة موحدة لدول الاتحاد الأوروبي.

وحسب الكاتب، فإن الهوية اللغوية مسألة تحظى بأهميّة بالغة خاصة عندما يتعلق الأمر بكيان سياسي كبير مثل الاتحاد الأوروبي، وقد اعتمدت عدة كيانات ودول على العودة إلى ماضيها اللغوي لبناء حاضرها السياسي.

فمثلا، في شبه القارة الهندية طورت الهند وباكستان نسختين من اللغة الهندوستانية، الأولى ثريّة بمفردات السنسكريتية القديمة، والأخرى اعتمدت بشكل كبير على اللغات الفارسية.

وتُعتبر الهندوستانية لغة مشتركة في شبه القارة الهندية، وتطورت شمال الهند أثناء الإمبراطورية المغولية متأثرة بالفارسية والاتصال بين الثقافتين الهندوسية والإسلامية، وتعود مصادرها المبكرة للغة الهندية الأوردية بالعصور الوسطى.

لغة سياسية

ويضيف الكاتب أن من يبحث في ماضي القارة العجوز يرى أهمية اللاتينية كعنصر موحِّد، حيث اعتمدت عليها الإمبراطورية الرومانية، وأوروبا المسيحية، ومفكرو عصر الأنوار و”هي لغة الشاعر الروماني القديم فيرجيل صاحب الإلياذة (توفي 19 قبل الميلاد) والشاعر اللاتيني الروماني كتولوس (توفي سنة 54 قبل الميلاد) ولغة القديس أوغسطين (توفي عام 430) ولوثر (توفي سنة 1546) ولغة الفلاسفة مثل ديكارت (توفي عام 1650) وإيراسموس (توفي عام 1536) ولغة سبينوزا (توفي عام 1677) وهي أيضًا لغة الأديرة التي سمحت بالحفاظ على الثقافة الأوروبية.

ويتابع أن اللاتينية تحمل في طياتها ألفي عام من الثقافات المتنوعة، وقد كانت طيلة هذه الفترة همزة وصل ووعاء للأفكار المختلفة، ووحّدت أوروبا ضمن هوية مشتركة. كما كانت المنبع الذي تشكلت منه اللغات الأوروبية الحديثة، سواء في بنائها النحوي أو معاجمها.

ويعتقد الكاتب أن اللاتينية لغة سياسية بامتياز، إذ كانت مرجعا لأجيال من البرلمانيين بالدول الأوروبية -خاصة الثقافة الأنجلوسكسونية- التي تملك تقاليد سياسية عريقة، وجعلت أجيالا من السياسيين يمتلكون فن الخطابة والتأثير.

وحسب رأيه، يمكن أن تصبح اللاتينية مجددا اللغة الرسمية لأوروبا، وتشكل رمزا للقوة والصرامة والإرادة المشتركة والرغبة في ضمّ عدد جديد من الدول إلى الاتحاد الأوروبي.

ويتضح -وفقا للكاتب- أن أوروبا تستطيع أن تحيي اللاتينية وتعتمدها لغة رسمية للقارة، بشرط أن تكون هناك إرادة جدية وطموح لتطوير هوية موحدة تتجاوز الخصوصيات الوطنية.

وكانت اللاتينية كذلك لغة رسمية لبلدان أوروبية مثل مملكة المجر من القرن الـ 11 إلى منتصف القرن الـ 19، وكرواتيا من القرن الـ 13 إلى القرن الـ 19، ومملكة بولندا بين القرنين العاشر والـ 18.

وظلت اللاتينية لغة العلم والدراسة بأوروبا الوسطى والغربية حتى القرن الـ 17، حيث حلت محلها لغات محلية تدريجيا، وكانت لغة العلاقات الدولية والدبلوماسية كذلك، قبل أن تتوسع الفرنسية أولا ثم الإنجليزية لاحقا كلغات عالمية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *