ثقافة | حوارات

خبير: المغرب بقلب رهانات بكين والعالم مقبل على تعددية قطبية

تقترح الصين قِبلةً أخرى للعالم تتحدث لغة ناطحات السحاب التي تستقيم في السماء في ساعات قليلة، والطرق التي تخترق كالعجب الصحاري والسواحل والجبال الصخرية، والتكنولوجيات القادرة على إعادة تشكيل أنماط الحياة. وأجزاء هامة من العالم، من بينها المغرب، بدأت تقع تحت سحر هذه اللغة وتجرّب حكمة الشرق الصامتة.

عن أسرار هذه “اللغة الجديدة” التي تنتشر في خرائط الكوكب كالماء، هذا العنصر الطبيعي الذي ألهم خطط الجنرال الصيني القديم سون تزو، حاورت مدار21 صاحب كتاب “الصين..زعامة القرن”، الإعلامي والباحث في العلاقات الدولية، نزار الفراوي.

وفي الحوار، الذي دار بمناسبة توقيع الباحث لكتابه بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، قال الفراوي إن المغرب معني بشكل مباشر ومحوري بالمشاريع التي تقودها الصين، والتي يحتل المجال الإفريقي داخلها أهمية بالغة.

كما اعتبر أن العالم يشهد “مخاضا انتقاليا طويلا ومعقدا في معمار القوة” ، مشيرا إلى أن النجاحات الهائلة التي حققتها الصين في طرائق تدبير المشروعات تصنع صورة إيجابية لدى قطاع من النخب الحاكمة تجاه النموذج الصيني.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما موقع المغرب من مبادرة الحزام والطريق؟

المغرب معني بشكل مباشر ومحوري بمشروع الحزام والطريق، بأبعاده الاستراتيجية والجيو اقتصادية أساسا. المغرب كان من الدول السباقة قاريا الى الانخراط في شراكة مع الصين لتنزيل مشروع “الحزام والطريق”، بل هو دولة محورية في الشمال الإفريقي ضمن هذه الرؤية بالنظر الى موقعه المتقدم قريبا من الضفة الجنوبية لأوروبا، من جهة، وبالنظر الى خط الشراكة المفتوح مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في سياق السياسة الافريقية الجديدة للمغرب، المتسمة بالمرونة وتنويع الشركاء وتقاسم الخبرات والنماذج.

وغني عن البيان أن المجال الافريقي يحتل أهمية بالغة في السيناريوهات الراهنة والمستقبلية التي ترسمها بكين ضمن رؤيتها الدولية.

وجدت المبادرة الصينية ربما اتجاهات جديدة في الدبلوماسية المغربية بدأت تحلّق بالمملكة خارج سماء الشركاء التقليديين..

طبعا، هذا المشروع الصيني صادف نوعا من النضج البراغماتي في السياسة الخارجية المغربية، خصوصا في شقها الاقتصادي والتنموي، حيث الأولوية لحسابات جلب المصالح الملموسة للنسيج الاقتصادي الوطني، رغم الارتباطات الاقتصادية التقليدية التي كانت متمركزة على الشمال، أساسا دول الاتحاد الأوروبي.

ينبغي العودة الى السنوات القليلة الماضي لنسجل نوعا من التراكم الكمي والنوعي في العلاقات المغربية الصينية توج بالشراكة في تنزيل مشروع الحزام والطريق. بدأت الانطلاقة مع زيارة الملك محمد السادس للصين سنة 2016، حيث تم توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية تبعها، سنة 2017، التوقيع على مذكرة تفاهم تؤطر شراكات قطاعية متنوعة، وصولا الى التوقيع، في يناير الماضي، على خطة التنفيذ المشترك لمبادرة الحزام والطريق التي تروم تفعيل عدد من الأذرع العملية للمشروع الصيني العالمي، ومنها ولوج التمويلات ‏الصينية لإنجاز مشاريع للبنيات الأساسية وتسهيل المبادلات ‏التجارية، وتعزيز التعاون في قطاعات واعدة على غرار الطاقات ‏المتجددة، و‏التكنولوجيا والفلاحة وغيرها، وتشجيع الاستثمار الصيني في ميادين صناعة السيارات، والطيران، والصناعات الفلاحية…إلخ.

وجاءت المعطيات لتكرس نموا متسارعا في المبادلات حيث ارتفعت قيمة التجارة البينية بنسبة 50 في المائة ما بين 2016 و2021. ولعل تدشين الشراكة المغربية الصينية في تصنيع اللقاحات المضادة لكوفيد 19، السنة الماضية، تعبير عن مدى جدية التموقع المغربي في هذه المبادرة الضخمة.

مع ذلك هناك من لا ينظر بعين الرضا لهذا الحضور الصيني في إفريقيا، ويتهم بكين بمحاولة إيقاع دول القارة في فخ التبعية لها عبر الديون..

طبعا، المبادرة الصينية مثيرة للجدل، والمخاوف تجاه انعكاساتها البعيدة الأمد قائمة في الأدبيات الاقتصادية والاستراتيجية الدولية، وخصوصا الغربية، التي تحذر من الآليات التمويلية التي من شأنها إثقال كاهل الدولة الشريكة في المشروع، بديون عالية الكلفة، وبالتالي رهن استقلالها الاقتصادي، وتنبه الى التهديدات الاجتماعية والبيئية ذات الصلة.  لكن البنك الدولي نفسه يقر بأن تنفيذ مبادرة الحزام والطريق سيؤدي إلى تعزيز التجارة بنسبة تتراوح بين 1.7% و6.2% على مستوى العالم، وزيادة الدخل الحقيقي عالميا بنسبة من 0.7% إلى 2.9%..

طيب، دعني أسألك هل يمكن تصور عالم تقوده الصين كما تقود أمريكا العالم اليوم؟

الصين تطرح مبادرتها للحزام والطريق في خضم وثبة شاملة متعددة الأبعاد نحو صدارة النظام الدولي. الأهداف التي دأبت الصين على تحقيقها بشكل تراكمي تدريجي في إطار سياسات تجارية خافتة الصوت، اكتست في إطار المشروع طابعا أكثر شمولية وشراسة. إن بكين بصدد اقتراح نموذج جديد للشراكة يحقق الأهداف المسطرة للقوة الصينية أولا، ويتيح تحقيق مصالح اقتصادية وتنموية متفاوتة في البلدان الشريكة.

في الولايات المتحدة، ليس المشروع الا عامل تأجيج للرهاب المستحكم سلفا منذ سنوات في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، خصوصا بأجنحته الواقعة تحت تأثير المحافظين الجدد. النخب السياسية والبحثية في أوروبا تنظر بتوجس الى خطوات قادت الصين الى التموقع بقوة في بعض بلدان القارة، وخصوصا الدول المطلة على المتوسط.

حتى الآن مازالت الصين قوة اقتصادية بالدرجة الأولى، ولذلك من الصعب توقع أن تحل الصين محل الولايات المتحدة في زعامة النظام الدولي بالشكل التقليدي. ثمة مخاض انتقالي طويل ومعقد في معمار القوة. صحيح أن اجماعا متفاوت الحدة يسود في أمريكا على أن واشنطن تواصل نزيف النقاط في مواجهة الصين، إلا أن فصول الحرب التجارية مثلا (بخصوص شركة هواوي مثلا) والمناورات الدبلوماسية المتعلقة بملف تايوان والأمن في منطقة الآسيان تذكر الصين بأنها مازالت غير محصنة تجاه الضغوط “الصلبة” المدعمة بمخزون القوة العسكرية وتجذر النفوذ الجيو-سياسي.

هذا يعني أننا لن نشهد أحادية قطبية جديدة بقدر ما قد نكون أمام عالم تحكمه قوى متصارعة؟

صحيح، خبراء كثر يتوقعون أن تكون التعددية القطبية هي العنوان الأبرز للنظام الدولي الذي يوجد قيد التشكل. لكن اليقينيات في هذا الباب مستحيلة. الصين حتى الآن استطاعت إقناع روسيا بالانخراط في شراكة استراتيجية من الواضح أن هدفها الرئيس هو مواجهة الهيمنة الأمريكية، واستدامة هذه الشراكة التي تلفها ذاكرة مثخنة بعدم الثقة بين الطرفين، تحدد الى درجة كبيرة، مستقبل بنية السلطة وهرمية القوة في النظام الدولي المستقبلي.

تبدو الصين حاضرة بصورة أكبر بتكنولوجياتها وتقنياتها ومنتجاتها لدى الشعوب ، عكس الغرب مثلا الذي يؤثث امتداده بشعارات كثيرة..ما الذي يفسر ذلك؟

تكمن خصوصية النهج الصيني في تصميم الشراكات مع الدول الأخرى في طابعها البراغماتي والعملياتي الغالب. إنها شراكات تستند على تحديد أهداف اقتصادية وتنموية ملموسة خارج منطق الاشتراطات السياسية الذي طالما طبع سياسات الشراكة والتعاون التي اعتمدتها القوى الأوروبية والأمريكية.

ويمكن تسجيل هذا الفارق في القارة الافريقية بشكل بارز حيث باتت الكثير من الحكومات تنجذب للعروض الصينية في مجال التعاون والاستثمار والتمويل بديلا عن الآليات التقليدية التي يعرضها الشركاء التقليديون في أوروبا بوجه خاص. ولعل النجاحات الهائلة التي حققتها الصين في طرائق تدبير المشروعات وإيجاد الحلول التكنلوجية المبتكرة تصنع صورة ذهنية إيجابية لدى قطاع من النخب الحاكمة تجاه النموذج الصيني. في المقابل، يظل التخوف قائما لدى قطاعات عريضة من أن تكون الصين اسما آخر لنفس منطق الهيمنة بأدوات وطرق مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.