تشغيل النساء يُواصل التراجع وفوارق الأجور تصل لـ43% مقارنة بالرجال

رغم الجهود المبذولة لإدماج النساء في النسيج الاقتصادي الوطني لم يتجاوز معدل تشغيل النساء 15.1 في المئة في سنة 2025، مقابل 24.5 في المئة سنة 2000، في مؤشر على استمرار الصعوبات التي تواجهها النساء في الولوج إلى الفرص الاقتصادية.
وتكشف معطيات التقرير حول النوع الاجتماعي، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أعدته مديرية الدراسات والتوقعات المالية، عن استمرار الفوارق بين النساء والرجال في التشغيل والأجور والتغطية الصحية وريادة الأعمال، إلى جانب تعدد العوائق الأسرية والاجتماعية والمؤسساتية التي تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.
وتبرز هذه المعطيات أن الفجوة بين الجنسين لا تقتصر على فرص الحصول على العمل، بل تمتد إلى طبيعة الوظائف ومستويات الأجور والحماية الاجتماعية وإمكانية إنشاء المقاولات وتطويرها، ما يجعل تعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء رهينا بمعالجة مجموعة من الإكراهات المتداخلة.
وتعد الفوارق في الأجور من أبرز مظاهر عدم المساواة في سوق الشغل، إذ يبلغ متوسط الأجر الشهري للرجال في الوسط الحضري 4.880 درهما، مقابل 3.970 درهما للنساء، بفارق يصل إلى 23 في المئة، وتتسع هذه الفجوة في القطاع الخاص لتبلغ 43 في المئة، بينما تنخفض إلى 2.4 في المئة في القطاع العام.
وتشير الدراسة إلى أن الجزء غير المبرر من الفارق الأجري، المرتبط بالتمييز القائم على النوع الاجتماعي، يفسر ما يقارب 91 في المئة من الفجوة الإجمالية.
وفي ما يتعلق بالأجور المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تمثل النساء 32 في المئة من مجموع الأجراء المصرح بهم في القطاع الخاص، فيما يبلغ متوسط الأجر المصرح به 6.276 درهما لدى الرجال، مقابل 5.885 درهما لدى النساء، بفارق يقدر بنحو 6.6 في المئة.
وتتقاضى 52.2 في المئة من الأجيرات المصرح بهن أجورا شهرية تتراوح بين 1.000 و3.266 درهما، مقابل 34.2 في المئة من الرجال.
ولا يقتصر ضعف حضور النساء على سوق الشغل، بل يمتد إلى مجال ريادة الأعمال، إذ لم يتجاوز عدد المقاولات التي تديرها نساء 60.363 مقاولة سنة 2024، من أصل 388.446 مقاولة، أي ما يعادل 15.6 في المئة من المجموع، إذ تظل هذه النسبة أدنى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 33.9 في المئة.
ووفقا لمعطيات المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، فإن 12.3 في المئة من المقاولات بالمغرب تضم امرأة واحدة على الأقل ضمن المساهمين، مقابل 40.3 في المئة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية و30.1 في المئة في إفريقيا جنوب الصحراء، بينما تبلغ النسبة 13.6 في المئة في الدول العربية و15.8 في المئة بتركيا.
وتسجل النساء حضورا مهما في تسيير المقاولات العاملة في قطاع الخدمات الأخرى بنسبة 45 في المئة، والصحة والعمل الاجتماعي بنسبة 43.1 في المئة، والتعليم بنسبة 30.2 في المئة، والأنشطة المالية والعلمية والتقنية بنحو 24 في المئة، كما يرتفع حضورهن في إدارة المقاولات حديثة النشأة، إذ تدبر النساء 17.8 في المئة من المقاولات التي يقل عمرها عن سنتين، و16.6 في المئة من المقاولات التي يتراوح عمرها بين سنتين وخمس سنوات، مقابل 12.7 في المئة من المقاولات التي يتجاوز عمرها عشر سنوات.
ورغم هذه المؤشرات، لا تتجاوز حصة المقاولات التي تقودها نساء من مجموع المقاولات المستفيدة من القروض 10.8 في المئة، ما يبرز التحديات التي تواجهها رائدات الأعمال في الولوج إلى التمويل، إلى جانب الحاجة إلى دعم الكفاءات وتوسيع شبكات الأعمال والوصول إلى الأسواق.
وعلى مستوى تطور التشغيل، يظل معدل تشغيل النساء منخفضا مقارنة بالرجال، فبينما تراجع معدل تشغيل الإناث من 24.5 في المئة سنة 2000 إلى 15.1 في المئة سنة 2025، بلغ المعدل لدى الرجال 68.2 في المئة سنة 2000، مقابل 61.1 في المئة سنة 2025.
وشهدت البنية القطاعية لتشغيل النساء تحولا ملحوظا خلال الفترة نفسها، إذ أصبح قطاع الخدمات المشغل الأول للنساء، بعدما ارتفعت حصته من مجموع تشغيلهن من 20.5 في المئة سنة 2000 إلى 51 في المئة سنة 202، وفي المقابل، تراجعت حصة الفلاحة والغابات والصيد البحري من 62.1 في المئة إلى 32.1 في المئة، بينما انخفضت حصة الصناعة، بما فيها الصناعة التقليدية، من 17.4 في المئة إلى 16 في المئة.
غير أن هذا التحول نحو الخدمات يستدعي، بحسب التقرير، تقييم جودة الوظائف التي تشغلها النساء، ولا سيما من حيث الاستقرار والاندماج في القطاع المنظم ومستويات الأجور والاستفادة من التغطية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، لا تتجاوز نسبة النساء من مجموع المشتغلين في وحدات الإنتاج غير الفلاحية التابعة للقطاع غير المنظم 8.6 في المئة سنة 2023، مقابل 10.5 في المئة سنة 2014، إذ تكاد النساء تغبن عن التشغيل غير المنظم في قطاع البناء والأشغال العمومية، بينما تبلغ نسبتهن 5.9 في المئة في التجارة و9.7 في المئة في الخدمات، وترتفع إلى 21.2 في المئة في الصناعة.
وعلى مستوى التغطية الصحية، تشير معطيات التقرير إلى تحسن الولوج إليها بين سنتي 2017 و2025، إذ تراجعت نسبة النساء المشتغلات غير المستفيدات من هذه التغطية من 77.8 في المئة إلى 59.7 في المئة، كما انخفضت نسبة الأجيرات غير المشمولات بها من 48.4 في المئة إلى 35.7 في المئة.
وتبرز المعطيات كذلك أهمية فئة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، خاصة في صفوف النساء، إذ تشكل ربات البيوت 70 في المئة من الأشخاص غير النشيطين ضمن هذه الفئة، وتمثل النساء 85 في المئة من هؤلاء الشباب غير النشيطين،كما ترتفع احتمالات الانتماء إلى هذه الفئة بعد سن 24 عاما، من 25.6 في المئة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة إلى 50.2 في المئة لدى الفئة المتراوحة أعمارها بين 25 و29 سنة.
ويكشف توصيف ربات البيوت غير النشيطات أن 61.3 في المئة منهن تتراوح أعمارهن بين 25 و29 سنة، وأن 58.2 في المئة لم يتجاوزن المستوى الابتدائي، بينما بلغت نسبة اللواتي بلغن المستوى الثانوي 39.8 في المئة، ولم تتجاوز نسبة الحاصلات على مستوى تعليمي عال 2 في المئة.
وتشير هذه المعطيات إلى تداخل عوامل السن والمستوى التعليمي والمسؤوليات الأسرية في تحديد فرص مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، خصوصا أن رعاية الأطفال والأعباء المنزلية قد تحد من قدرتهن على الالتحاق بالعمل والاستمرار فيه.
ولا يعزى ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي إلى عامل واحد، بل يرتبط بتفاعل مجموعة من المحددات الفردية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية. فالحالة العائلية تؤثر في معدلات النشاط، إذ تفوق معدلات نشاط النساء العازبات والمطلقات والأرامل نظيرتها لدى المتزوجات، كما يؤثر حجم الأسرة وعدد الأطفال المتكفل بهم في قرار الولوج إلى سوق الشغل.
وتكشف معطيات البارومتر العربي أن نقص فرص الشغل المتاحة يأتي في مقدمة العوائق التي تواجه النساء بنسبة 17.9 في المئة من الأجوبة المعبر عنها، يليه ارتفاع الأجور أو ضعفها بوصفه عائقا بنسبة 14.5 في المئة، ثم الأحكام المسبقة تجاه النساء عند التوظيف بنسبة 13.2 في المئة، ونقص الحماية القانونية بنسبة 10.3 في المئة، وضعف القبول الاجتماعي لعمل النساء بنسبة 8.9 في المئة، ونقص الكفاءات والتكوين المناسب بنسبة 7.7 في المئة، وضعف مرونة أوقات العمل بنسبة 7.1 في المئة، ونقص وسائل النقل بنسبة 6.9 في المئة.
وفي مواجهة هذه التحديات، يشدد التقرير على ضرورة توسيع الفرص الاقتصادية المتاحة للنساء عبر تدخلات منسقة تشمل تحسين فرص الحصول على عمل لائق، وتقوية الملاءمة بين الكفاءات المتوفرة واحتياجات النسيج الإنتاجي، ودعم الاستثمار والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، مع إيلاء اهتمام خاص للشباب والنساء والأشخاص غير الحاصلين على شهادات.
ويبرز التقرير أهمية تعزيز عرض خدمات الحضانة والتعليم الأولي، وتطوير حلول للنقل تتلاءم مع حاجيات النساء العاملات، وتوسيع شبكة الإنارة العمومية في المناطق شبه الحضرية، إلى جانب دعم اقتصاد الرعاية وتوفير بيئة قانونية ومؤسساتية أكثر ملاءمة لمشاركة النساء في النشاط الاقتصادي.
ويؤكد التقرير أن تحسين ولوج النساء إلى سوق الشغل لا يمكن أن يتحقق بمجرد رفع مستويات التعليم والتأهيل، بل يتطلب أيضا معالجة الإكراهات المرتبطة بالطلب على العمل، وظروف التنقل والسلامة، وتقاسم المسؤوليات الأسرية، وممارسات التوظيف، وتيسير الولوج إلى التمويل بالنسبة إلى المقاولات التي تديرها النساء.





