عصام الإبراهيمي لـ”مدار21″: تراجع الطاس عن مبادئها صعب.. وإعادة المباراة وارد

أثار قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم “الكاف”، القاضي باعتبار المنتخب السنغالي منهزما بالانسحاب أمام المنتخب المغربي في نهائي كأس أمم إفريقيا، ومنح اللقب للمغرب، نقاشا قانونيا بشأن مدى انطباق مقتضيات لوائح المسابقة على الواقعة، وحدود سلطة الحكم في تدبير المباراة، فضلا عن الحجج التي يمكن أن يستند إليها الطرف السنغالي للطعن في القرار أمام محكمة التحكيم الرياضي “الطاس”.
وفي هذا السياق، يوضح عصام الإبراهيمي، المحامي بهيئة الدار البيضاء ورئيس المركز المتوسطي للدراسات والبحوث في القانون الرياضي والمتخصص في المنازعات الرياضية، في حوار مع صحيفة “مدار21″، الأسس القانونية التي يستند إليها قرار “الكاف”، والدفوع المحتملة للاتحاد السنغالي، والسيناريوهات الممكنة أمام “الطاس”، إلى جانب حدود الطعن في قراراتها أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية.
سؤال: ما الأساس القانوني الذي اعتمد عليه “الكاف” لاعتبار المنتخب السنغالي منهزما بالانسحاب ومنح اللقب للمغرب؟
جواب: أولا، لا بد من الاطلاع على مقرر لجنة الاستئناف أو القرار الصادر عنها، لكن من خلال ما استقرأناه من المداخلات والتصريحات، خصوصا تصريحات الطرف السنغالي خلال الندوة الصحفية، يتبين أن القرار اعتمد على تفسير مقتضيات المادتين 82 و84 من قانون المسابقات، بما يفيد اعتبار المنتخب السنغالي منسحبا من المسابقة.
وتوجد بعض المعطيات التي ظهرت أثناء المسطرة، من بينها ما يتعلق بعلاقة الحكم بالقرار المتخذ، وبالجهة التي طلبت منه من خارج الملعب، عدم إيقاف المباراة واستئنافها، وربما كانت هذه من بين الأسس التي اعتمدت عليها لجنة الاستئناف لإصدار قرارها القاضي باعتبار المنتخب السنغالي منسحبا، وترجيح نتيجة المباراة لصالح المنتخب المغربي ومنحه اللقب.
وينص قانون المسابقات على المقتضيات المتعلقة بالمنافسة والإقصائيات والعقوبات المترتبة عن ارتكاب أفعال مرتبطة بالانسحاب، سواء خلال الأدوار الإقصائية أو أثناء المسابقة، ويتعلق الأمر بفصل ينص على أن الفريق الذي ينسحب أو يغادر أرضية الملعب دون إذن الحكم يتعرض للعقوبة المنصوص عليها.
لكن الإشكال المطروح ليس في وجود النص القانوني فحسب، بل في كيفية تفسيره وتطبيقه على هذه الواقعة، وتحديدا ما إذا كان استئناف المباراة يسمح بتطبيق مقتضيات الانسحاب أم لا، وهنا يكمن الخلاف بين الطرفين؛ فالجانب السنغالي يعتبر أن المباراة لم تتوقف، وأن الحكم هو صاحب السلطة في إيقافها أو استئنافها، وأن المنتخب المغربي قبل استئناف اللعب، قبل أن يفوز المنتخب السنغالي باللقب داخل الملعب، في المقابل، يعتبر الجانب المغربي أن الواقعة تشكل انسحابا بموجب المادة 82، بما يترتب عنه تطبيق العقوبة المنصوص عليها في المادة 84.
سؤال: بعد استئناف الاتحاد السنغالي أمام محكمة التحكيم الرياضي، ما أبرز الحجج القانونية التي يمكن أن يستند إليها للطعن في قرار “الكاف”؟
جواب: لا يمكن القول إن المنتخب السنغالي لا يتوفر على دفوع أو أسباب موضوعية للطعن في القرار، فمن بين الحجج التي يمكن أن يستند إليها مقتضيات المادة 5، التي تمنح الحكم سلطة واسعة في تدبير المباراة وتقييم الواقعة.
وإذا اعتبرنا أن ما حدث يشكل انسحابا، فينبغي النظر فيما إذا كان الحكم قد توجه إلى عميد الفريق وأخبره بضرورة العودة إلى أرضية الملعب، واستوضح إرادته بشأن استئناف اللعب أو عدم استئنافه، وهنا لا بد من استحضار قرارات سابقة لمحكمة التحكيم الرياضي تعتبر أن خطاب الحكم الموجه إلى عميد الفريق ينبغي أن يكون واضحا وغير مشروط.
كما توجد قرارات عديدة لـ”الطاس” تعتبر أن استمرار الحكم في المباراة وعدم إيقافها قد تكون له دلالة في تقييم الواقعة، فإذا كان الحكم قد اعتبر ما حدث انسحابا، فمن المفترض أن ينعكس ذلك على قراره بشأن استمرار المباراة. وبالتالي، يمكن للطرف السنغالي الدفع بأن استمرار اللعب يشكل قرينة على أن الحكم لم يعتبر الواقعة انسحابا، ولم ير أن مقتضيات المادة 82 تنطبق عليها.
ومن بين الدفوع الأخرى التي يمكن أن يعتمدها الجانب السنغالي الطعن في توقيت التوقف، والقول إن إرادة اللاعبين لم تكن الانسحاب، وإنما الاحتجاج على قرار تحكيمي، وإن عودتهم إلى الملعب واستئناف المباراة دليل على عدم وجود نية الانسحاب.
هذه مجموعة من الحجج التي يمكن أن يستند إليها الاتحاد السنغالي، إلى جانب دفوع أخرى لا يمكن الجزم بها، لأننا لم نطلع على مذكرة الاستئناف، وإنما نستقي بعض المعطيات مما يصلنا عبر تصريحات محامي الطرف السنغالي ومسؤوليه.
سؤال: هل تشكل مغادرة اللاعبين السنغاليين أرضية الملعب، رغم عودتهم لاستكمال المباراة، انسحابا بالمعنى القانوني للوائح “الكاف”؟
جواب: الأساس القانوني الذي اعتمد عليه “الكاف” هو التطبيق الحرفي لمقتضيات المادة 82. فحين ينسحب فريق ويغادر أرضية الملعب متوجها إلى مستودع الملابس، يمكن اعتبار ذلك انسحابا وفق منطوق المادة.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه الواقعة تشكل انسحابا أم لا، يظل رهينا بما ستقرره محكمة التحكيم الرياضي، وأعتبر أن هذه القضية سابقة قانونية، وقد انقسمت بشأنها الآراء بين مؤيد للقرار ومعارض له.
وسيكون قرار “الطاس” اجتهادا قضائيا مهما، لأننا لم نشهد، بحسب ما استحضرناه من وقائع سابقة، حالة مماثلة تماما، فقد شهدنا مباريات رفض فيها لاعب استئناف اللعب، وأخرى رفض فيها منتخب الصعود إلى الملعب لأسباب أمنية مرتبطة بغياب الأمن داخله، كما شهدنا إعادة مباراة بسبب تورط الحكم في فساد مرتبط بالمراهنات.
لكن الحالة الحالية مختلفة، بالنظر إلى مغادرة لاعبي المنتخب السنغالي أرضية الملعب، وما رافقها من سلوك المدرب، مع بقاء لاعبين أو ثلاثة في الملعب، وقد بدا أن هناك حالة ارتباك، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الواقعة ومدى انطباق مقتضيات الانسحاب عليها.
وللأسف، لم نستوعب بعض جوانب الواقعة إلا بعد انتهاء المباراة، وكان من الممكن، في تقديري، الضغط على الحكم لإيقاف المباراة، أو المطالبة بتوضيح موقفه بشكل صريح قبل استئناف اللعب، حتى تكون قراءته القانونية للواقعة واضحة، ولو حدث ذلك، ربما لم نكن لنصل إلى الوضع الحالي.
وفي نهاية المطاف، فإن تحديد ما إذا كانت هذه الواقعة تدخل ضمن مقتضيات المادة 82 أم لا، يظل من اختصاص محكمة التحكيم الرياضي.
سؤال: ما دلالات جلسة الاستماع التي عقدتها “الطاس” يوم 8 أكتوبر الجاري؟ وهل يمكن استخلاص أي مؤشرات بشأن مآل القضية من دون استباق القرار؟
جواب: لا يمكن استخلاص مؤشرات بشأن مآل القضية من جلسة الاستماع، لأنها تمثل المرحلة الأخيرة من المسطرة، وتعرف إقفال التحقيق، وتقديم مرافعات الدفاع، وطرح أسئلة من طرف المحكمين.
وبعد هذه المرحلة، تكون هيئة التحكيم قد استمعت إلى الأطراف وأصبحت لديها صورة أوضح عن الملف، بما يسمح لها بتكوين قناعتها بشأن القضية.
لكن لا يمكن الجزم بأي شيء، لأننا لم نحضر الجلسة التحكيمية، التي كانت مشمولة بالسرية، ولا يحق لأي طرف الحديث عما جرى فيها خارج ما تسمح به المسطرة.
ومن الناحية الإجرائية، فإن الجلسات الختامية من هذا النوع تتضمن عادة مرافعات الأطراف وأسئلة المحكمين واستفساراتهم، وقد تشمل أسئلة موجهة إلى الحكم ومدرب الفريق، إلى جانب وسائل أخرى يمكن للهيئة الاستعانة بها لتكوين قناعتها قبل إصدار القرار.
سؤال: ما السيناريوهات القانونية الممكنة أمام “الطاس”، وما انعكاس كل سيناريو على نتيجة المباراة واللقب الذي منحه “الكاف” للمغرب؟
جواب: هناك سيناريوهان أساسيان، إلى جانب احتمال ثالث أعتبره واردا بشروط محددة.
السيناريو الأول هو أن تؤيد محكمة التحكيم الرياضي قرار “الكاف”، إذا تبين لها أنه سليم من الناحية الشكلية، وأن تعليله صحيح، وأن تفسير مقتضيات المادة 82 وتطبيقها على الواقعة كانا سليمين.
أما السيناريو الثاني، فهو إلغاء القرار، إذا اعتبرت المحكمة أن المنتخب السنغالي لا يمكن اعتباره منسحبا، وأن نتيجة المباراة التي تحققت داخل الملعب ينبغي أن تظل قائمة.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تستند “الطاس” إلى المبادئ التي اعتمدتها في قرارات سابقة، خصوصا ما يتعلق بسلطة الحكم في تدبير المباراة، وباستقرار النتائج والمنافسات، وعدم تغيير نتيجة مباراة إلا في حالات تستدعي ذلك، مثل ثبوت الفساد أو الرشوة أو غيرهما من الوقائع التي يمكن أن تبرر التدخل في النتيجة أو إعادة المباراة.
وأظن أنه من الصعب جدا على محكمة التحكيم الرياضي أن تتراجع عن المبادئ التي كرستها في اجتهاداتها السابقة، ولذلك أرى أن المسألة تطرح صعوبة قانونية حقيقية، وأتمنى، كمغربي، أن تنتهي المسطرة لصالح المغرب، مع التأكيد أن هذا تقدير شخصي أتحمل مسؤوليته.
أما السيناريو الثالث، الذي أختلف بشأنه مع بعض الزملاء، فيتمثل في احتمال إعادة المباراة، لكن ذلك يظل مشروطا بثبوت معطيات محددة أمام هيئة التحكيم.
فإذا ثبت للمحكمة أن الحكم خرق قواعد اللعبة، وأنه كان يتعين عليه اتخاذ إجراءات تأديبية في حق اللاعبين المعنيين، وأن عدم اتخاذ تلك الإجراءات غيّر مسار المباراة، وكان ذلك نتيجة فساد أو تواطؤ، فقد يصبح هذا السيناريو مطروحا.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار واقعة مباراة السنغال وجنوب إفريقيا، التي أعيدت بعد ثبوت تورط الحكم في اتفاق مرتبط بالمراهنات، واعتماد تقارير خبراء في تتبع الانحرافات المرتبطة بالمراهنات الرياضية.
وأؤكد أن إعادة المباراة تظل احتمالا مستبعدا، لكنها قد تكون واردة إذا ثبتت أمام المحكمة وقائع من هذا النوع، وقد سمعنا عن احتمال وجود تسجيلات أو معطيات قدمتها الجامعة المغربية ضمن دفاعها، لكننا لا نملك معلومات مؤكدة بشأن طبيعة هذه الأدلة، أو ما إذا كانت تتضمن مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية أو اتصالات يمكن أن تثبت وجود تدخل غير مشروع في قرارات الحكم.
وإذا ثبت أن الحكم خرق مقتضيات قوانين اللعبة، ولا سيما القوانين 5 و7 و12، وأن ذلك ارتبط بفساد أو تواطؤ مؤثر في نتيجة المباراة، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في مآلها.
سؤال: في انتظار القرار النهائي، هل يمكن اعتبار هذا النزاع سابقة قانونية قد تؤثر في طريقة تعامل الهيئات الكروية مع حالات الانسحاب والاحتجاج داخل الملعب مستقبلا؟
جواب: هذه القضية تشكل سابقة، وسيكون القرار الصادر بشأنها مجالا للبحث الأكاديمي والنقاش بين الفقهاء والباحثين المتخصصين في القانون الرياضي.
وبخصوص تأثير هذه الواقعة، فإن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم “إيفاب” تحرك قبل صدور الحكم، وأصدر تعديلات تتعلق بحالات احتجاج اللاعبين على التحكيم ومغادرتهم أرضية الملعب، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من عقوبات، بما في ذلك البطاقة الحمراء أو اعتبار الفريق منسحبا، وفق الحالات المحددة في القواعد الجديدة.
وقد اختلفت الآراء بشأن انعكاس هذه التعديلات على القضية الحالية. فهناك من يعتبر أنها تعكس توجها نحو تشديد التعامل مع مثل هذه الحالات، وهو ما قد يخدم الموقف المغربي، مع التأكيد أن القواعد الجديدة لا تطبق بأثر رجعي.
في المقابل، أتبنى الرأي الذي يعتبر أن صدور قواعد جديدة يبرز الحاجة إلى توضيح الإطار القانوني الذي يحكم هذه الحالات، ومن هذا المنطلق، أرى أن محكمة التحكيم الرياضي مطالبة بالنظر في النصوص التي كانت سارية وقت الواقعة، وعدم استحداث قاعدة جديدة لتطبيقها على نزاع سابق.
كما أن المحكمة يمكنها الاستناد إلى النصوص القائمة والاجتهادات السابقة، التي تمنح الحكم سلطة واسعة في إيقاف المباراة أو تعليقها أو إنهائها، بحسب الظروف التي تحيط بالواقعة.
سؤال: هل يحق للطرف الذي لن يكون القرار في صالحه اللجوء إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية للطعن في قرار محكمة التحكيم الرياضي، وما حدود هذا الطعن وأسبابه القانونية؟
جواب: من المهم توضيح الأساس القانوني لهذه المسألة، لأن كثيرا من المتابعين يقولون إن قرار محكمة التحكيم الرياضي يمكن استئنافه أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية، دون الإشارة إلى أساس هذا الإجراء وحدوده.
فمحكمة التحكيم الرياضي مؤسسة للتحكيم مقرها سويسرا، وتخضع قراراتها التحكيمية لرقابة القضاء السويسري وفق القواعد القانونية المعمول بها، وبالتالي، يمكن للطرف الذي صدر القرار ضده الطعن فيه أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية، لكن ذلك ليس استئنافا عاديا يعيد النظر في جميع تفاصيل النزاع.
وتنحصر أسباب الطعن، وفق الحالات القانونية المحددة، في مسائل من بينها عدم تشكيل هيئة التحكيم بصورة قانونية، أو المساس بحقوق الدفاع، أو بت الهيئة في مسائل تتجاوز ما طلبه منها الأطراف، أو مخالفة النظام العام السويسري، إلى جانب الحالات القانونية الأخرى ذات الصلة، ومنها عدم اختصاص الهيئة التحكيمية.
وبالنسبة إلى هذه القضية، لا أعتقد أن الطعن أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية سيكون مسارا سهلا، لأن محكمة التحكيم الرياضي دقيقة في احترام الشكليات، وضمان حقوق الدفاع، والبت في حدود طلبات الأطراف.
كما أن طبيعة الملف، باعتباره نزاعا انضباطيا رياضيا، لا تعني أن بإمكان الطرف المتضرر إعادة مناقشة جوهر القضية أمام القضاء السويسري، إذ تظل رقابة المحكمة الفيدرالية محصورة في الأسباب القانونية التي يجيزها القانون.
ومن ثم، فإن حق الطعن قائم من حيث المبدأ، لكن نجاحه يظل مرتبطا بإثبات توافر أحد الأسباب القانونية المحددة، وليس بمجرد الاختلاف مع القرار الصادر عن محكمة التحكيم الرياضي.





