التراجع الأخير للدرهم أمام العملات الأجنبية يسلط الضوء على مخاطر “التعويم”

سجل الدرهم المغربي تراجعاً جديداً أمام سلته المرجعية من العملات الأجنبية (الأورو والدولار الأمريكي) للأسبوع الخامس على التوالي، تحت تأثير تنامي ضغط الواردات والنمو المتوسط للصادرات، ما أدى لاتساع العجز التجاري، وهو ما يطرح تساؤلات قلقة حول مخاطر الخطوات المقبلة المرتقبة في “إصلاح نظام الصرف” أو ما يعرف بـ”تعويم الدرهم”.
وانخفض الدرهم بنسبة 1.47% أمام اليورو، حيث تجاوزت العملة الأوروبية عتبة 11 درهماً لتصل إلى 11.04 درهم، وأمام الدولار الأمريكي انخفض الدرهم بنسبة 2.95%، ليسجل سعر صرف الدولار نحو 9.85 درهم.
وفي هذا الصدد أكد الخبير الاقتصادي، يونس أيت حمادوش، أن التراجع الأخير للدرهم أمام الأورو والدولار “ليس مجرد حركة تقنية في سوق الصرف، بل يكشف عن ضغوط فعلية تتعرض لها العملة المغربية؛ إذ وحتى نهاية غشت 2026، ارتفعت الواردات بنسبة 15.8%، مقابل 8.7% فقط للصادرات، ما أدى إلى زيادة العجز التجاري بنسبة 25.4%”.
وأوضح أيت حمادوش أن مزيداً من الواردات يَعني طلباً أكبر على الأورو والدولار، وهو ما يفرض ضغوطاً على سوق الصرف، وبالتالي على الدرهم.
وتوفر تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وعائدات السياحة العملات الأجنبية الضرورية، وتساهم في امتصاص هذه الضغوط؛ “لكن لا ينبغي أن تحجب هذه الموارد المشكلة الأساسية، وهي أن اقتصادنا يواصل استهلاك كميات كبيرة من العملات الأجنبية لتمويل نشاطه ونموه” وفقاً للخبير في الاقتصاد التطبيقي.
“نحن نستورد بكثافة الطاقة والمواد الأولية والمدخلات الإنتاجية والسلع التجهيزية، في حين تشهد عدة قطاعات تصديرية تباطؤاً في الوقت الراهن، وهذا يعني أن جهازنا الإنتاجي لا يزال شديد الاعتماد على الخارج، وأن قدرتنا على توليد العملات الأجنبية بشكل مستدام لا تتطور بالوتيرة نفسها التي تتزايد بها احتياجاتنا إليها”، يقول المتحدث ذاته مضيفاً أنه عندما تكون الأسس الاقتصادية هشة، فإن زيادة مرونة سعر الصرف لا تعالج المشكلة بالضرورة، بل قد تتيح للعملة أن تعكس مواطن الهشاشة هذه بصورة أكثر حدة.
وحذر أيت حمادوش من الانتقال المرتقب نحو نظام صرف أكثر اعتماداً على التعويم؛ “التعويم ليس سياسة لتعزيز التنافسية في سياق بلد مثل المغرب، بالنظر إلى مقوماته الاقتصادية الأساسية، فهو لا يخلق الإنتاجية ولا الصادرات ولا المنافسة ولا الصناعات القادرة على توليد ما يكفي من العملات الأجنبية”.
وعلى العكس من ذلك؛ “إذا حرر المغرب سعر الصرف بشكل أكبر في وقت لا تزال فيه اختلالاته الخارجية قائمة، فقد يصبح الدرهم مُتغيراً يُستخدم لامتصاص تبعات أوجه القصور الهيكلية في الاقتصاد”، موضحاً أن تراجع قيمة العملة يجعل الواردات أكثر تكلفة، ولا سيما الطاقة والمدخلات الإنتاجية.
وتابع بأن هذه التكاليف تنتهي بالانتقال إلى المقاولات والمستهلكين، ويرتفع التضخم المستورد، وقد يصبح من الضروري بعد ذلك الإبقاء على سياسة نقدية تقييدية لاحتواء التضخم. كما خلص إلى أن زيادة تعويم الدرهم من دون تعزيز الأسس الاقتصادية بما يكفي تعني، في نهاية المطاف، مطالبة العملة بتحمل فاتورة مواطن الضعف في الاقتصاد الحقيقي.





