كاير: التقييم لم يعد ممارسة ظرفية بل وظيفة استراتيجية لتوجيه القرار العمومي

أكد رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، عثمان كاير، أن التقييم لم يعد مجرد ممارسة ظرفية تأتي بعد تنفيذ البرامج، بل أصبح وظيفة استراتيجية تروم تحسين الأداء العمومي، وتعزيز المساءلة، وضمان الاستعمال الأمثل للموارد، وذلك من خلال الاعتماد على معطيات دقيقة وتحليلات قائمة على الأدلة.
وقال كاير، اليوم الأربعاء، خلال ورشة حكومية حول “التقييم في خدمة القرار العمومي.. نحو منظومة وطنية للتقييم فعالة ومرتكزة على النتائج”، إنه في سياق مطبوع بـ”تحولات اجتماعية عميقة، وتجدد انتظارات المواطنين، وتزايد الحاجة إلى فعالية أكبر في السياسات العمومية، أصبحت هذه الأخيرة مطالبة بإحداث آثار ملموسة وقابلة للقياس ومستدامة. وتفرض هذه المتطلبات التوفر على آليات قادرة ليس فقط على تتبع مستوى الإنجاز، بل أيضاً على تقييم النتائج، وفهم الآثار المترتبة، وتحديد التعديلات الضرورية، وإسناد القرار العمومي بمعطيات قائمة على الأدلة”.
وأكد رئيس المرصد أنه “لم يعد من الممكن اعتبار التقييم مجرد ممارسة ظرفية تتم بعد تنفيذ السياسات فقط، بل ينبغي أن يتحول إلى وظيفة استراتيجية مدمجة ضمن دورة العمل العمومي، بما يسمح لصناع القرار بفهم أفضل لما يمكن أن ينجح، ولِمن، وفي أي سياق، وبأي أثر؟”، مضيفا “كما ينبغي أن يسهم في تعزيز التعلم المؤسساتي، وترسيخ مبدأ المساءلة، وتحسين استخدام الموارد العمومية، وضمان التطوير المستمر للسياسات والبرامج المنفذة”.
وتابع المتحدث ذاته أنه “في هذا الإطار بالتحديد تندرج مقاربة التقييم المبني على النتائج، التي تجعل من فائدة التقييم محورا أساسيا في العملية، وتدعو إلى إنتاج تحليلات ذات مصداقية واستقلالية وقابلة للتفعيل، مع الحرص أيضا على أن تُستثمر الملاحظات والتوصيات فعليا في تحسين تصميم السياسات وتنفيذها وصياغتها”.
وتكتسي هذه التوجهات، وفق كاير، أهمية خاصة بالنسبة للمرصد الوطني للتنمية البشرية، الذي يحرص منذ إحداثه من طرف الملك محمد السادس سنة 2006، على “إنتاج تحليلات دقيقة حول ديناميات التنمية، وظروف عيش السكان، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وكذا آثار السياسات العمومية. وتتمثل مهمتنا في مواكبة القرار العمومي بمعارف موثوقة وموضوعية وذات فائدة عملية”.
وأوضح أن التحدي المطروح اليوم يظل هو “الذهاب أبعد من ذلك، عبر المساهمة في ترسيخ ثقافة مؤسساتية للتقييم يشترك فيها مختلف الفاعلين العموميين، وتستند إلى المعايير الدولية، مع مراعاة الأولويات الوطنية والخصوصيات الترابية لبلادنا”، مشددا على أن هذه الثقافة يتعين أن تقوم على مبادئ أساسية “من بينها الاستقلالية، والمصداقية، والأخلاقيات، والشفافية، والجدوى، إلى جانب الإنصاف والإدماج الاجتماعي”.
وأبرز رئيس المرصد أن تعزيز نظام وطني مستدام للتقييم “لا يمكن أن يقتصر على اعتماد أدوات أو مساطر تقنية فقط، بل يفترض وجود رؤية مشتركة، وحكامة واضحة، وقدرات مؤسساتية معززة، وكفاءات تقنية راسخة، فضلا عن طلب حقيقي على التقييم من طرف مختلف القطاعات العمومية”.
ولفت المتحدث إلى أن الجلسات المبرمجة ستتناول “المعايير والمقاييس الدولية للتقييم، وإدماج المقاربات القائمة على الحقوق، والإنصاف بين الجنسين، والإدماج الاجتماعي، فضلا عن المنهجيات الملائمة للسياسات المعقدة، لاسيما المناهج المختلطة، وتحليل المساهمة، والتقييم المبني على الاستخدام”، إضافة إلى “إيلاء اهتمام خاص للعلاقة بين نتائج التقييم والقرار العمومي، إذ تكمن القيمة الحقيقية للتقييم أساسا في قدرته على تغذية الاختيارات العمومية، وتوجيه عمليات التحكيم، وتحسين البرامج، وتحويل التوصيات إلى إجراءات ملموسة”.





