سياسة

عودة العلاقات المغربية الجزائرية “تقتضي جهدا وصبرا دبلوماسيا طويل النفس”

عودة العلاقات المغربية الجزائرية “تقتضي جهدا وصبرا دبلوماسيا طويل النفس”

اعتبرت ورقة السياسات حديثة أن القرار 2797 يمثل محطة مفصلية في مسار نزاع الصحراء، ويفتح الباب أمام فرصة سياسية وقانونية لتثبيت مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع. لكنها في الوقت نفسه أشارت إلى أنه لا يعني نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب عملا دبلوماسيا مكثفا على مستويات عدة.

وأشارت ورقة السياسات التي عنونت بـ”نزاع الصحراء بعد قرار مجلس الأمن 2797: بين الفرصة والتحديات”، وكتبها الأكاديميان سعيد الصديقي ومحمد مصباح، ونشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، إلى أنه على المستوى الدولي، تقع على عاتق الدبلوماسية المغربية مسؤولية العمل على تحصين هذا المكسب الدبلوماسي، وفي الوقت نفسه استثماره لتوسيع قاعدة الاعترافات الدولية بمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

وأبرزت الورقة، التي اطلعت عليها جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن هذه المحطة تمثل فرصة لصناع القرار في الرباط لتأكيد فعالية المقاربة التي اتبعها المغرب خلال السنوات القليلة الماضية في تدبير ملف الصحراء، والتي تعتمد أساسا على تعزيز العلاقات مع القوى الدولية وبناء تحالفات الدعم، بما في ذلك توالي الاعترافات الدولية بسيادة المغرب على الصحراء.

ولفتت إلى أن القرار الأمريكي في دجنبر 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، بالإضافة إلى سياسة “فتح القنصليات” الأجنبية في العيون والداخلة، لعب دورا أساسيا في الدفع بهذا النهج. ومن المرجح أن يستثمر المغرب هذا الزخم لإقناع دول أخرى، لا سيما الأوروبية، بالاعتراف بسيادته على الصحراء، بالإضافة إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وفتح قنصليات جديدة في الإقليم.

علاوة على ذلك، تضيف الورقة أن المغرب سيعمل على تحصين المكاسب الميدانية من خلال تأمين المعابر التجارية عبر الصحراء وتوسيعها، وجعلها أحد أدوات الدبلوماسية المغربية، لا سيما مع الدول الأوروبية المستفيدة تجاريا من هذه المعابر. كما يسعى المغرب لوضع إقليم الصحراء في قلب الاستراتيجيات الدولية، وعلى رأسها مبادرته الأطلسية واستراتيجيته تجاه منطقة الساحل والصحراء.

وعلى المستوى الإقليمي، يرى الأكاديميان أن المغرب سيواصل البحث عن فتح قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع الجزائر، في إطار جهود الوساطة التي تقوم بها بعض الدول، لا سيما الولايات المتحدة.

ورجحت الورقة أن تواجه هذه المساعي بعض الصعوبات، نظرا لتعقيد العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر وارتباطها بعوامل تاريخية وسياسية متراكمة، غير أن هذه الجهود الدبلوماسية قد تفضي إلى التوصل إلى بعض الأهداف قصيرة المدى، مثل البدء في ترتيبات أولية لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي انقطعت منذ 2021، وتخفيف التوتر عبر رسائل التطمين المتبادلة التي قد تتعزز بقنوات حوار غير رسمية تهدف إلى بناء تدريجي للثقة بين البلدين.

لكن الورقة، من جهة أخرى، اعتبرت أن التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين يبقى هدفا بعيد المدى، إلا أنه يظل ممكنا إذا تحولت نافذة الفرص الحالية إلى مسار تدريجي لبناء الثقة، وهو مسار يقتضي جهدا مستمرا وصبرا دبلوماسيا طويل النفس.

وقالت الورقة إن ذلك ما يعكسه دعوات العاهل المغربي المستمرة للرئيس الجزائري إلى “حوار أخوي صادق” لبناء علاقات جديدة بين البلدين، ومسار وزير الخارجية المغربي الذي أكد أيضا على أهمية إجراء مفاوضات مباشرة بين البلدين، وأنهما لا يحتاجان في حقيقة الأمر إلى وساطة أطراف ثالثة.

وفي ظل غياب أي مؤشرات حالية تشير إلى بوادر تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين، سجلت ورقة السياسات أن هذه التصريحات والرسائل الودية من شأنها أن تخفف التوتر نسبيا وتحافظ على الوضع القائم.

أما على المستوى الداخلي، أوضحت الورقة أن الدولة شرعت في إعداد نسخة جديدة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي، وقد عقد يوم 10 نوفمبر 2025 اجتماع جمع مستشاري الملك بزعماء الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، لمناقشة الصيغة الجديدة لمبادرة الحكم الذاتي.

ويعكس هذا الاجتماع، بحسب الورقة، إدراكا رسميا بأن هذه اللحظة السياسية تتطلب تعبئة داخلية واسعة وتوافقا مؤسساتيا حول النسخة الثانية المفصلة من مقترح الحكم الذاتي وكيفية تفعيله عمليا.

وأوردت الورقة أن هذا القرار الأممي أسهم داخليا في تعزيز الإجماع الوطني حول هذا الملف، حيث انطلقت منذ الأيام الأولى لصدور هذا القرار حملة واسعة لتنظيم فعاليات ثقافية وسياسية للتعريف بأهمية القرار باعتباره تحولا سياسيا تاريخيا وبناء رأي عام داخلي داعم للمرحلة المقبلة.

وخلصت الورقة إلى أنه في هذا الإطار، تبرز أهمية تهيئة المناخ السياسي والنفسي لاستقبال الصيغة المحدثة للحكم الذاتي وتعزيز النقاش العمومي حول نماذج الحكم الممكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News