ثقافة | حوارات

فاطمة الزهراء الرياض: رواية “المختلف” وليدة صدمة ومخاضها دام لسنوات

رغم أنها تُشبّه الكتابة بالسحر الأسود، تدعو الأديبة المغربية فاطمة الزهراء الرياض قُرّاءها لعدم التوجس من “أعمالها”. فلا شيء يجعل القصص “مريبة غير ربطها بعناوينها” ثم تحميل العناوين “أكثر مما تحتمل وتتحمّل”.

الكاتبة الشابة تحدثت، في حوار مع مدار21 بمناسبة توقيعها روايتها “المختلف” ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، عن أسباب تناولها اضطراب التوحد في هذا العمل الأدبي واختياراتها الفنيّة في رسم صورة الأم داخله وفق “تركيبة تستلزم قراءة من القلب”.

من جانب آخر، تبتعد فاطمة الزهراء الرياض عن تصنيف نفسها في خانة “الأدب النسائي” لمجرد أنها “امرأة وكاتبة”، مؤكدة في المقابل أنها تروي قصصها وفق رؤية إنسانية ويحدث أن “تكتب بلسان الرجل وتحاول أن تلامس معاناته هو الآخر”.

وفي ما يلي نص الحوار:

شبهّتِ مرة الكتابة بالسحر الأسود، وبررتي اختيار “تراجيم” عنوانا لروايتك الأولى بهذا المعنى..هل يجب تحذير القرّاء من “أعمالك”؟

الكتابة لعنة ومجازفة ولا يختلف على ذلك اثنان ممن خاضوا هذه التجربة بجوارحهم، قصصي أرتب قسوتها كي تبدو على نحو ما ناعمة، ولا شيء يجعلها “مريبة” إلا ربطها بعناوينها. العناوين لديّ لها دلالاتها في النص، لذا فأنا لا أحذر القراء من كتاباتي ولكن أرجو دائما ألا تُحمّل العناوين أكثر مما تحتمل وتتحمل. فالمجاز مجذاف الكاتب وبه يُبحر ويغوص في المعنى وبه يعود.

في روايتك “المختلف” تكسرين قليلا أفق انتظار القارئ من عاطفة الأمومة أمام طفل يعاني من التوحد، بعكس مثلا إمعان هيفاء بيطار في تفجير هذه العاطفة في قصتها “يكفي أن يحبك قلبٌُ واحد لتعيش” وهي بدورها تحكي عن معاناة مع طفل مريض..

مرض طيف التوحد أو اضطراب أو “اختلاف وجهة النظر من وإلى الحياة” كما سميته بالرواية هو رصد لكيف نرى المختلف على حد السواء، أي الكيفية التي نتعامل بها مع من يختلفون عنا شعوريا واجتماعيا وسلوكيا، وهذه التفاعلات التي تحدث مع “المختلف” او “اللامنتمي” كما سماه الكاتب آلن ويلسون هو ما قد شكل أساس الرواية.

إن الأفراد هي من تؤسس لماهية الأمومة متناسية أننا لا نخلق “أمهات” ولكن ثمة وضعيات حياتية تشكل عائقا وتحديا كبيرا أمام هذه “الأم”. إن إحساس العجز الذي تحسه الأمهات عموما وأمهات المختلفين “المتوحدين” بالأخص هو إحساس يفوق الوصف، لذلك كان من الطبيعي أن توضع الأم في سياقها بالنص بطريقة محايدة وموضوعية من طرف السارد ليترك المجال الأكبر للقارئ، محتكما للظروف والإطار ويناقش مع الأبطال حكاياتهم المتقاطعة كي يبرر لها هو أو يعاتبها هو.

الأم إنسان عظيم غير أنها كائن هش بتراكمات نفسية وبيولوجية واجتماعية في تركيبة تستلزم قراءة من القلب ..

لماذا اخترتِ مرض التوحد موضوعا لروايتك دون باقي الاضطرابات النفسية؟

التوحد هو من اختارني حقيقة، فبعض المواضيع لا تأتي بمحض الصدفة وهي أحيانا تختارك وتأمل منك أن تحكي حكايتك عنها، إنها وجوه صغيرة وبريئة التقيتها في حياتي. كان التوحد في سنة 2009 مجرد مرض غامض يتحدث عنه القلة، أعني في دائرة معارفي.

حاولت آنذاك أن أبحث في الموضوع وعنه، فزرت جمعيات متعددة للتوحد ودوّنت نظرات الأطفال وحركاتهم وكلماتهم وقابلت آباءهم مشكورين، كان ذاك الحزن في عيونهم له صوت مدوي لا زال يرج القلب.. وتزامنت تلك الفترة بتشخيص أحد الأقرباء بطيف التوحد، فكانت تلك الصدمة هي ما جعلتني آخذ موضوع الرواية بشكل جدي للكتابة.. فدونتها على مدار خمس أو ست سنوات.

هل تعتبرين ما تكتبين أدبا نسائيا؟ ليس باعتباره أدبا يدافع عن قضايا المرأة وإنما صادرا عن امرأة.. هل تقبلين هذا التصنيف للرواية وتشعرين أنك تكتبينها بهذه الحساسية؟

ما أكتبه يدخل ضمن الأدب “الإنساني” والتعبير فيه بلسان امرأة لا يصبح بالضرورة “نسائيا” بالرغم من أني لا أرى في الامر أي انتقاص.. ولكن حقيقة أكتب عما أحسه دونما تعصب.. أنا أكتب وأسرد وأرصد لأني كاتبة هذا الواقع المرّ، أحيانا من موقعي وكوني امرأة، وأيضا أكتب بلسان الرجل وأحاول أن ألامس معاناته هو الآخر وفق رؤية ومقاربة متكاملة إنسانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.