وجهة نظر

كيف تتخلص من “أنتخرستوس” داخل السجن في 500 يوم بدون مشرف مراقب؟

تعرضت داخل السجن لأنواع مختلفة من التعذيب، لكن أحدها تسبب فيه شقيقي الأصغر أيوب، حين طلبت منه أن يشتري لي رواية ما، لأني بقيت ثلاثة أشهر تقريبا ليس في حوزتي بعد المصحف إلا رواية سهيل إدريس الحي اللاتيني التي قرأتها عشرات المرات بل أكثر، وبعد أسابيع أتاني برواية اسمها “انتخرستوس”.

قمت بفتحها وبدأت القراءة، لكني لم أستطع تجرع تلك التفاهات التي حشاها فيها، فوضعتها جانبا، رغم شوقي لمطالعة أي شيء على أمل أن لا أساهم في إيصال التعذيب إلى حاسة الذوق أيضا، وقد كنت أقرأ 300 صفحة يوميا دون أي حرج… انتظرت لأسابيع حتى أحصل على رواية أخرى لكن دون جدوى.. ماذا علي أن أفعل والله يا أحبابي لقد قرأتها كاملة عدة مرات أيضا مضطرا، فقد غلبت شهوة القراءة حاسة الذوق، إنها كارثة من الهراء المكتوب والتفاهات بدون فن روائي ولا متعة سردية، شيء يتجاوز السخافة بدركات.

بعد شهرين تقريبا زارني المحامي محمد صدقو والمحامية خديجة جنان وجلبوا بعض الروايات التي سمح لي بها المشرف الاجتماعي، هذا الأخير كارثة أيضا، فهو أُمّي تماما ولا يفرق بين الأدب والفلسفة والفكر والمنطق، وإنما إذا لم يعجبه عنوان الكتاب رماه جانبا.. حتى إنهم سمحوا بإدخال كتب متطرفة الفكر ولم يسمحوا بإدخال عزازيل ليوسف زيدان.

لنعد إلى أنتخرستوس. فالمشرف الاجتماعي كارثة لم تلحقني وحدي على الأقل، وكما يقال: إذا عمت هانت.. وإنما أود الحديث عن كيف قمت بالتخلص من هذه التفاهة، خاصة بعدما حصلت على روايات غابرييل غارسيا ماركيز وهاروكي موراكامي وأغاثا كريستي وألبير كامو وعبد الرحمن منيف، بل استطاع المحامي محمد المسعودي، قدس الله سره، بعد جلسة مطولة مع المدير السماح لي بقراءة مجموعة حسين مروة، الفزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، واستطعت بهذه الكتب هضم بعض تلك الحموضة التي تجرعتها من طرف مؤلف أنتخرستوس عامله الله بما يستحق.

عموما، حتى لا أتسبب في تعذيب أي سجين آخر، قمت برمي أنتخرستوس وراء السجن كما فعل عادل إمام في أحد مشاهد “السفارة في العمارة” برائعة الحب في زمن الكوليرا.. لكن تم إعادتها لي وتبين أن السور الآخر للساحة داخل السجن أيضا، فقمت بتركها في الساحة كما لو أنها ليست لي، فقامت الإدارة بضبطها وإحضارها لي، فأردت تمزيقها وورميها في المجاري لكني احترمت ما فيها من ذكر الله ورسله، ولعله بسبب هذه الحالة الإيمانية تم نقلي إلى سجن طنجة وتركت الرواية بسلا وأخفيتها بعناية على أمل أن لا يجدها أحد، وبعد أشهر بطنجة أعادوني لسلا، فوجدت المشرف الاجتماعي يستقبلني بالأحضان وابتسامته الشريرة ويسلمني في يدي أنتخرستوس قائلا أني نسيتها هنا. نظرت إليه قائلا في نفسي: سأخبر الله بكل شيء. حينها اهتديت إلى طريقة لإحراقها في مطبخ ساعدني في ذلك معتقل آخر.. ومع ذلك وجدت بعد مغادرة السجن أن هناك من يحتفي بما كتبه هذا الشخص التافه. أعتذر عن هذا الوصف، لكني أردت أن أسبه باحترام فلم أجد كلمة مناسبة لهذا الشيء الذي تعرضت له حينها.

اللهم اجعلها مغفرة للذنوب.

تعليقات الزوار ( 1 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.